728 x 90

لعبة المناطق الآمنة

-

  • 2/8/2017
 عبد الرحمن الراشد اعلاميّ ومثقّف سعوديّ
عبد الرحمن الراشد اعلاميّ ومثقّف سعوديّ

الشرق الاوسط
7/2/2017

بقلم: عبد الرحمن الراشد اعلاميّ ومثقّف سعوديّ

يبدو أنه لم يعد للسوريين کلمة رغم کثرة المؤتمرات والحلول المقترحة، فالمبعوث الأممي لسوريا ستيفان دي ميستورا قرر من عنده أن يختار من يمثل التنظيمات المعارضة، والروس کتبوا دستور سوريا المستقبل، وجاءوا به مطبوعًا لمؤتمر آستانة، ومسؤول الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين فيليبو غراندي قال بالنيابة عن اللاجئين لا لإقامة مناطق تؤويهم. هکذا الوضع في سوريا أصعب وأغرب من أي يوم مضی في السنوات الماضية.
ملايين اللاجئين السوريين تحولوا إلی کرة تتقاذفها الحکومات، بخاصة بعد أن فاجأ الرئيس الأميرکي دونالد ترمب الجميع بتبنيه فکرة إنشاء مناطق آمنة للاجئين داخل سوريا، تلک التي وعد بمثلها الرئيس الأميرکي السابق عام 2012 ثم تخلی عنها. والوضع الحالي ليس سيئًا فقط، بل مفزع جدًا. هناک أکثر من اثني عشر مليون لاجئ سوري يشکلون أکبر رقم في تاريخ الحروب الأهلية منذ الحرب العالمية الثانية... صاروا قنابل تهدد أمن دول مثل ترکيا ولبنان، وکذلک استمرار کيان الاتحاد الأوروبي، وأصبحوا جزءًا من الخلاف الداخلي في الولايات المتحدة.
والمواقف من المناطق الآمنة متباينة، مثل کل شأن آخر في سوريا... الروس ضد المشروع، وقد انتقده وزير الخارجية سيرغي لافروف، ثم عدل موقفه تکتيکيًا فيما يبدو تحاشيًا لإحراج الرئيس ترمب، ثم سيتم استيعابه. وکرر الإيرانيون والنظام السوري معارضتهما رسميًا للفکرة بأنها خرق للسيادة، لأن الأسد يريد التخلص من ملايين السوريين الرافضين له بعد أن قام بعملية التطهير الجغرافية. ويصر الأتراک علی إبقاء المهجّرين داخل سوريا، رافضين استقبال المزيد، بعد أن أصبحوا هدفًا للجماعات الإرهابية التي تستخدم السوريين. أوروبا، أيضًا، تعتبرها قضية أمن أساسية لها، تريد وقف النزوح إليها؛ سواء ببناء مناطق آمنة داخل سوريا، أو خارجها. أما لبنان، فإنه يريد منع قدوم المزيد، وإعادة المليون لاجئ الموجودين علی أرضه. وقد تبنی، لأول مرة، موقفًا ضد دمشق، وعلی لسان الرئيس الجديد، ميشال عون، الذي قال إنه يؤيد دعوة ترمب بإقامتها داخل سوريا، مطالبًا بإعادة اللاجئين السوريين في بلاده إلی هناک، وداعيًا إلی أن تکون تحت إشراف النظام.
أما المفوض الدولي لشؤون اللاجئين، الذي يفترض أنه أکثر شخص في العالم يهتم بإيواء ملايين التائهين في المنافي، فعاد من دمشق ليصرح بأنه ضد إقامة مناطق آمنة للاجئين في داخل سوريا! غريب موقفه، لأنه لا يملک حلاً بديلاً. فهل بمقدوره أن يقنع دول العالم باستقبال ملايين اللاجئين الحاليين، والملايين اللاحقة؟ بالتأکيد لا. هل يستطيع أن يقنع الدول المضيفة، مثل لبنان، بالاستمرار في تحمل هذا العدد الهائل علی أراضيها؟ جرب وفشل.
ووجهة نظره ليست خاطئة تمامًا، بأن حماية هذه المناطق ورعايتها مهمة شبه مستحيلة، لکن في الوقت نفسه يتناسی أن ملايين اللاجئين لا يعانون من نقص الأمن فقط، بل أيضًا من الجوع والبرد، وبلا مأوی.
لا يوجد حل مثالي. مع هذا، فإن المناطق المقترحة علی الأقل تفي بوقف التدفق ووقف عملية التطهير الطائفية، التي کانت سياسة متعمدة، بتصدير المشکلة السورية إلی العالم بدل أن تکون مشکلة النظام وحده. ملايين المشردين الهائمين علی وجوههم کانوا غنيمة رابحة لمنظمات إرهابية، فجندت من بينهم متطوعين غاضبين، مستعدين للقتال تحت أي راية. استخدمتهم في عمليات إرهابية ضد دول صديقة وأخری محايدة وعدوة، وضد منظمات سورية في حروب عبثية مجنونة.
هذه محصلة سياسة التهجير والتشريد، التي عُرّض لها الشعب السوري خلال السنوات الست الماضية، والآن أصبح اللاجئون القضية الأولی، وقد يقودون القاطرة لمشروع السلام، الذي أصبح ملفًا مستعجلاً. صار اللاجئون السوريون أهم قضية للعالم من کل القضايا، وقد يکونون المفتاح لوقف المذابح والتهجير..

مختارات

احدث الأخبار والمقالات