728 x 90

-

التدخل الايراني في العراق: البواعث والخصائص والآثار - صافي الياسري

-

  • 10/6/2011
صافی الیاسری
صافی الیاسری


التدخل الايراني في العراق: البواعث والخصائص والآثار

الملف
3/10/2011

بقلم: صافي الياسري

لاياتي تقرير معهد الابحاث القومي الاميرکي التابع لمجلس الامن القومي الاميرکي ، هذا ، بجديد ، في خطوطه العريضه ، فابسط متابع للشان الايراني وسلوکيات النظاام الايراني علی الساحة العراقية وسياسته العامة ، يعرف مندرجاته عمليا ، لکن اهميته هنا تنبع من کونه تثبيت وقائع وتحليلات مرجعية ، يمکن اعتمادها اقتباسات لاغناء بحوث اخری ، او لبناء بحوق جديدة وتطويرها ، ولقراءة الموقف الاميرکي شديد الاهمية ، من السلوکية والسياسة الايرانية الاستراتيجية الاقليمية ، وتتبع خطوط السياسة الاميرکية في منطقة الخليج بشکل خاص ودائرة الشام الملتهبة بشکل اکثر خصوصية ، بسبب اهمية وفاعلية ما تلقيه عليها من اضواء کاشفة احداث الساحة العراقية ، التي تتادخل وتشتبک فيها صراعات الاجانيد الايرانية الغربية بصراعاتها في عموم المنطقة العربية وفي الشام والخليج العربي بشکل اکثر خصوصية، يقول التقرير:
ايران تتدخل في العراق لانها تعتبره حديقتها الخلفية وستحاول ملء الفراغ الناجم عن انسحاب القوات الامريکية
کثرت في السنين الأخيرة الشواهد علی تدخل ايران في العراق. وينصرف الانتباه الأکبر الی الجانب العسکري بطبيعة الامر، أي الی التمويل والتدريب والتسليح الذي تمنحه العصابات الشيعية المسلحة في العراق ولا سيما بواسطة ’قوة القدس’ التابعة لـ ’الحرس الثوري’. لکن لتدخل ايران ايضا جوانب سياسية واقتصادية ودينية تريد بها أن تصوغ دولة تحت هيمنة شيعية تلائم مصالح ايران، ولا تهدد مکانتها في المنطقة وتکون مقطوعة قدر المستطاع عن التأثير الامريکي. سنوضح في هذا التقرير شکل هذا التدخل وبواعثه وحدوده وآثاره الممکنة.
إن الخوف من ألا يکون العراق قادرا علی ’الوقوف علی رجليه’ وأن يصبح دولة تحت رعاية ايران في واقع الامر، له أساس.
مع تضاؤل القوات الامريکية في العراق قد يتغلب باعث جاراته علی التأثير أکثر فيما يجري فيه وأن تحاول بقدر ما ملء الفراغ الذي سينشأ مع انسحابها. وقد حاولت جميع الدول المحاذية للعراق منذ سنة 2003 زيادة تأثيرها فيه بحسب مصالحها. قد تکون ايران بالغت أکثر منها جميعا وهي التي أرادت منع العراق أن يکون مرة اخری تهديدا لها عسکريا أو سياسيا أو عقائديا ـ دينيا.
لايران اهتمام خاص بما يجري في العراق الذي يشارکها أطول الحدود وتبلغ 1500 کم. ولها اهتمام بتعزيز المنطقة الشيعية (مع إضعاف الهوية السنية) الکبيرة في جنوب العراق، التي تسيطر علی المنفذ الاستراتيجي الی الخليج وفيه نحو من نصف احتياطي نفط العراق.
کان العراق حتی اسقاط نظام صدام حسين المنافس الرئيسي لايران في السيطرة علی المنطقة، لکن الميزان العسکري بين الدولتين في المستقبل القريب يميل لمصلحة ايران بوضوح.
الحقيقة أن الخمسين ألف جندي امريکي الذين بقوا في العراق، اذا لم يوقع اتفاق جديد بين الدولتين، سوف يخرجون حتی نهاية سنة 2011، هذه الحقيقة قد تزيد ’شهوة’ ايران للتدخل في شؤون العراق کي تستقيم هذه مع مصالحها.
في سنة 2007 أعلن احمدي نجاد بأن ’ايران مستعدة لملء الفراغ الذي سيخلفه انسحاب الامريکيين من العراق’. إن تدخل ايران في العراق مبعثه رؤيتها هذه المنطقة مجال تأثير طبيعيا لها. ويُغذيه الخشية من صورة الدولة العراقية في المستقبل وطموحها الی الهيمنة في المنطقة مدرکة أن العراق لبنة مهمة في الطريق الی احراز هذا الهدف.
وتريد ايران ايضا الحفاظ علی الانجازات التي لا يُستهان بها التي قطفتها (وکان ذلک تفضلا من الولايات المتحدة بقدر کبير) مع ضعف الدولة العراقية وزيادة قوة العنصر الشيعي فيها. يوجد علی العموم لتدخل ايران في العراق عدة جوانب بينها قدر کبير من التماس، والمرکزي فيها: العسکري والسياسي والديني والاقتصادي.
’قوة القدس’ والعصابات المسلحة الشيعية
إن ضعف العراق الأساسي منذ سنة 2003 ’استدعی’ تدخل ايران التي أرادت زيادة تأثيرها، ومضاءلة الأخطار علی أمنها القومي وأن تُسهل علی نفسها احراز هيمنة في منطقة الخليج. وفي هذا الاطار تزود قوة ’القدس’ التابعة للحرس الثوري ـ وهي قوة تم انشاؤها في بداية التسعينيات لدفع مصالح ايران قُدما بوسائل عسکرية وسياسية واقتصادية خارج ارضها ـ العصابات المسلحة الشيعية في العراق بالمال والمعدات والسلاح. وتشتمل التدريبات من جملة ما تشتمل عليه علی طرق متابعة الأهداف، واستعمال السلاح الخفيف، وتکتيکات استعمال قوات صغيرة، وعمليات ارهابية، واستعمال وسائل اتصال، واستعمال ألغام جانبية عظيمة القوة سببت موت جنود عراقيين وامريکيين کثيرين.
يبدو ان الولايات المتحدة أصبحت قلقة في السنين الاخيرة من المساعدة العسکرية التکتيکية التي تبذلها ايران للعصابات المسلحة الشيعية خاصة. شهد قادة في جيش الولايات المتحدة خدموا في جنوب العراق، بأن ايران عيّنت مندوبين لـ’قوة القدس’ (بلباس مدني) عملهم جمع المعلومات الاستخبارية وانشاء اتصال بعناصر موالية لايران، ولا سيما في المناطق الشيعية. إن العمل الرئيس لهؤلاء (الدبلوماسيين) الايرانيين هو العثور علی محاربين عراقيين وتدريبهم وتنظيم ’انتقال آمن’ للناشطين والوسائل القتالية بين العراق وايران ومساعدة العصابات المسلحة في العمليات الارهابية. وأبلغت الاستخبارات الامريکية أن ايران مستمرة في ذلک ايضا بواسطة ناشطي حزب الله (الذين يتحدثون العربية ويُعدون ذوي خبرة)، رغم أن مسؤولين ايرانيين کبارا التزموا لممثلي الادارة الامريکية بوقف ذلک في الماضي.
ولما کانت الحدود بين ايران والعراق مخترقة في أکثرها فانه يمکن لايران أن تُدخل ناشطين کثيرين في جنوب العراق لتثبيت تأثيرها بعد اسقاط صدام حسين. بحسب تقديرات اجتاز الحدود بين الدولتين أکثر من مليون ونصف مليون شخص، منهم من الحرس الثوري، دخلوا مُرسلين من ايران. ومنذ سنة 2003 يتجول ناس ’قوة القدس’ من الحرس الثوري في غطاء دبلوماسي للحفاظ علی قدرة إنکار والامتناع عن ترک ’بصمة’ ايرانية، وهم يعملون، بقدر کبير، کما قال قائد منطقة المرکز الامريکي سابقا الجنرال باتريوس، ذراعا تنفيذية لسياسة ايران الخارجية في العراق.
کان حسن الکاظمي القُمي، سفير ايران السابق في العراق، ضابطا في حرس الثورة وعمل قبل ذلک في لبنان علی مساعدة حزب الله ومشورته، وکذلک ايضا السفير الحالي، حسن دانيبار، الذي خدم في سلاح البحرية للحرس الثوري. إن تدخل ايران هذا، في اقليم الأکراد مثلا ليس شأنا جديدا، ويعمل أفراد استخبارات ايران بلا عائق تقريبا في العقد الأخير فيما أصبح منذ زمن منطقة حکم ذاتي کردي. والدليل علی ذلک أن جنودا امريکيين اعتقلوا في سنة 2007 خمسة ’دبلوماسيين ايرانيين’ في مدينة أربيل، عاصمة الاقليم، بتهمة انهم ساعدوا مسلحين شيعة (وأُطلق سراحهم في 2009). تخرج قوات أمن العراق، بمساعدة جيش الولايات المتحدة في اعمال دهم علی نحو عادي، ولا سيما في مناطق الحدود مع ايران، بل انها بنت قواعد قرب الحدود مع ايران لمحاولة احباط تهريب السلاح من ايران الی العراق. وبين الفينة والاخری يُکشف عن وسائل قتال وفيها قذائف صاروخية، وقذائف رجم، وقذائف مدافع، وذخيرة وألغام جانبية کثيرة نُقش علی بعضها: ’صُنع في ايران’.
بحسب زعم وزارة الدفاع الامريکية، ضاءلت ايران منذ سنة 2009 عدد العصابات المسلحة التي تدعمها، لکنها حسّنت التدريبات ووسائل القتال التي تمنحها إياها. إن المعارک في سنة 2008 في منطقة البصرة بين ’جيش المهدي’ والقوات الامريکية والعراقية أضعفت بقدر کبير قوة العصابة المسلحة وجعلت رئيسها، مقتدی الصدر، الذي عاد في کانون الثاني (يناير) 2011 من مکان جلائه في قُم، يعلن الانتقال الی النشاط السياسي والاجتماعي. لکن مواليه قُسموا في واقع الامر الی مجموعات مسلحة صغيرة مثل ’کتائب حزب الله’، وترعاها ايران.
ليس واضحا ما الذي يقف وراء المضاءلة الانتقائية لدعم ايران للعصابات المسلحة الشيعية: أکان ذلک في أعقاب زيادة الضغط الامريکي، أم خطوة لبناء الثقة مع تولي ادارة اوباما عملها أو لملاءمة سياسة الادارة الامريکية الجديدة نحو ايران أو عن ادراک انه ينبغي في هذه المرحلة تأکيد التأثير السياسي من اجل عدم إحداث معارضة لايران داخل العراق. يقول الجنرال اوديرنو، الذي کان في الماضي قائد القوات الامريکية في العراق، إن ايران مستمرة في تسليح وتدريب عصابات مسلحة داخله، لکنها تمنح العمليات الاستخبارية والتأثير السياسي أهمية أکبر. ويری ان العصابات المسلحة تنوي استغلال انسحاب قوات الولايات المتحدة لاحداث اصابات فيها وحصد انجاز دعائي باحداث تصور انسحاب امريکي تحت النار.
في حين وقعت ايران علی عدة اتفاقات، وفيها اتفاقات علی التعاون العسکري مع العراق، فانها قد تستغل، مع عدم وجود قوات امريکية، تفوقها العسکري وعدم الاستقرار في العراق ’لحل’ مشکلات الأقليات والنزاعات الحدودية. ويبدو أن ايران في السنة الاخيرة، ربما علی خلفية تعميق الانسحاب الامريکي، تشعر بانها أکثر حرية في اتخاذ تدبيرات صارمة مع العراق: فقد دخلت قوات عسکرية ايرانية في عدة فرص عمق ارض العراق، إما لاحتلال مؤقت لحقل نفط مختلف فيه (کانون الاول/ديسمبر 2009) وإما للعمل بحزم أکبر مما کان في الماضي في مواجهة متمردين أکراد. في ديسمبر 2010 أجرت ايران تدريبا بريا بجوار حدودها مع العراق، کان شاذا في سعته ومکانه. ولم تلق هذه الاعمال حتی الآن ردا صارما من العراق (ولا من الولايات المتحدة)، بل دعوة ضعيفة فقط للحفاظ علی سيادة العراق.
الجانب السياسي
إن مصالح ايران، ولا سيما الرغبة في الافضاء الی هيمنة شيعية علی العراق، قد مسّت حتی الآن وإن لم يکن ذلک علی نحو مباشر، مصالح الولايات المتحدة، التي أرادت أن تدفع قُدما الدولة الی طراز ديمقراطية تمثيلية. وقد ساعدت علی ذلک حقيقة ان نحو 60 في المائة من سکان العراق هم من الشيعة. إن مصلحة ايران، وترجمة التفوق السکاني الی تأثير سياسي أکبر في العراق قد نجحت، فلاول مرة في تاريخ العراق الحديث يستولي الشيعة علی مؤسسات الحکم في الدولة. في فترة حکم صدام حسين منحت ايران منظمات المعارضة العراقية اللجوء، وإن جزءا لا يُستهان به من قدرتها علی التأثير في السياسة العراقية اليوم يتعلق بأنه لبث داخلها من هم اليوم جزء کبير من الخريطة السياسية في العراق. والی اللجوء السياسي، منحت ايران هذه الجهات مساعدة مالية وتنظيمية ومددية، وهو ما أسهم في تطوير علاقة تعلق تضاف علی الصعيد الشعبي عند النخب ايضا.
لم تنجح ايران في احباط توقيع الاتفاقات التي ترتب العلاقات الاستراتيجية بين العراق والولايات المتحدة في أواخر مدة ولاية الرئيس بوش. لکن في أعقاب الضغط الذي استعملته علی حکومة المالکي، أُدخل فيها جدول زمني يوجب خروج القوات الامريکية، ومادة تمنع مهاجمة الدول المجاورة من داخل العراق، ثم مثل آخر علی مبلغ تأثير ايران وهو تدخل السليماني المباشر قائد ’قوة القدس’ الذي وقع بحسب التقارير علی اتفاق وقف اطلاق النار بين قوات حکومة العراق و’جيش المهدي’ لمقتدی الصدر في البصرة في سنة 2008.
تبذل ايران کل جهد لتوحيد الاحزاب الشيعية في العراق کي تستطيع تکوين حکومة، ولم تکف ايضا عن ذلک بعد الانتخابات التي تمت هناک في آذار (مارس) 2010. حذر الامريکيون في سنة 2009 من تدخل ايران في الساحة السياسية الداخلية في العراق: ’انهم يستطيعون تغيير نتائج الانتخابات بواسطة ألغام واعمال قتل واغتيال لمرشحين مهمين. ويستطيعون فعل ذلک علی نحو يُنسب الی جهات اخری...’. وعلی نحو يشبه ساحات اخری، تکمن قوة ايران بقدر کبير في القدرة علی إنکار نشاط من تستعملهم.
قدّر کثيرون ان توجد تعويقات لمسار اقامة الحکومة بعد الانتخابات الاخيرة، لکن لم يُقدر أحد کثافة الصراع علی نتائج الانتخابات نفسها. يمکن أن نری في ذلک شهادة علی أهمية ترکيب الحکومة لتحديد مستقبل العراق، بل حتی علی مقدار التدخل الخارجي في شؤونها الداخلية. کانت هذه الانتخابات عند جارات العراق انتخابات تؤثر في صبغتها في السنين القريبة، وتدخلت کلها علی نحو ما، إما بمساعدة مالية مباشرة، وإما بالدعاية وإما بالتزوير والخداع لجعل حکومة العراق في المستقبل ’أسهل’ عليها. والتقدير السائد عند جاراتها، أن ايران ذات تأثير أکبر في العراق، لانها لا تنفر من وجود صلات بجميع الجهات السياسية في العراق تقريبا.
أشار قادة جيش الولايات المتحدة الی محاولات ايران التأثير في نتائج الانتخابات بدعم مالي ومساعدة عسکرية لـ’منفذي أمرها’ في السياسة العراقية، وزعموا انهم يملکون ’براهين استخبارية’ علی ذلک. وذکرت وزيرة الخارجية الامريکية، هيلاري کلينتون ايضا، في مساءلة في لجنة الخارجية التابعة لمجلس الشيوخ، أن الولايات المتحدة تبذل کل ما تستطيع لتدفع الی الأمام بمشارکة واسعة في الانتخابات، تضائل تأثير جهود ايران للتأثير في النتائج بالرشوة والدعم المالي للمرشحين. ’اللجنة العليا للمسؤولية والعدل’، التي لا يتضح فعلها القانوني، طُلب اليها قبل الانتخابات التأکد من انه لن يوجد بين المرشحين ناس من حزب البعث السابق. رفضت اللجنة مئات المرشحين، وأکثرهم من السنة أو الشيعة العلمانيين، في محاولة واضحة، وإن لم تکن ناجحة في نهاية الامر ايضا، لتشکيل وجه السياسة العراقية لمصلحة ايران.
أثبت ’الحج’ الی ايران بعد الانتخابات الاخيرة مباشرة مقدار أهمية دورها في صياغة شکل الحکومة المستقبلية في العراق. جاءت وفود من جميع الاحزاب الی طهران، ومن قبل إياد علاوي ايضا الذي اتهم ايران بالتدخل السلبي في العراق وبمحاولة منعه من أن يُعين رئيسا للحکومة. إن علاوي، الذي يحصل کما يبدو علی دعم لا يُستهان به من السعودية رغم کونه شيعيا، حظي بأصوات کثيرة من أهل السنّة. فقد أقنعهم بأنه سيهتم باعادة جزء من حقوقهم وبالحفاظ علی مصالحهم، وقد ساعد علی ذلک علمانيته وانه يوجد في حرکته ايضا کبار القيادة السنيّة. وسبب آخر لتأييده هو العداوة التي يشعر بها أهل سنّة کثيرون لايران والخوف من تأثيرها. لم تُخف ايران رغبتها في أن تتغلب الکتل الشيعية علی الاختلافات بينها وتستغل تفوقها العددي کي تستطيع انتخاب رئيس الحکومة القادم في العراق کما حدث حقا. والی ذلک، فان القوة السياسية لمؤيد ايران الواضح مقتدی الصدر (40 مقعدا) داخل الحکومة تُمکّنه من التأثير في السياسة العراقية بقدر کبير بحسب مصالح رُعاته في طهران.
الجانب الديني
سيطر الشيعة، وهم بين 60 65 في المئة من سکان العراق، علی مراکز القوة في الدولة، لکن شعورهم بالولاء للدولة منع حتی الآن سفکا أکبر للدماء، وحافظ حتی الآن علی الاطار الدولي (المنسوب الی الدولة). رغم الصلة بين القيادات الدينية الشيعية في ايران والعراق، ثمة احتمال ضئيل لأن يُخضع الشيعة العراقيون ولاءهم القومي لولائهم الديني لايران. فعلی مدی السنين، اذا استثنينا حالات شاذة، شايع الشيعة في العراق القومية العراقية وتمايزوا عن ’اخوتهم’ الايرانيين. والی ذلک، لا يوافق أکثر الشيعة علی مبدأ ’ولاية الفقيه’، الذي صاغه الخميني. لقد ثار رموز السلطة الدينية في النجف وعلی رأسهم آية الله علي السيستاني، رجل الدين الشيعي الأکبر في العراق (وهو ذو سلطة دينية أعلی من سلطة خامنئي نفسه) أکثر من مرة علی فکرة أن يکون مصدر السلطة العليا في الدولة دينيا وسياسيا في وقت واحد، کما هي الحال في ايران. کذلک لا ينبغي ان نری الشيعة العراقيين کتلة واحدة، وتوجد اختلافات سياسية وعقائدية لا يُستهان بها بين المجموعات علی اختلافها. لم يتدخل آية الله السيستاني في الانتخابات الاخيرة لمجلس الشعب بخلاف الماضي، وامتنع عن التعبير عن تأييد ولو بالرمز لهذا الحزب أو ذاک. وقد عمل بعد الانتخابات ايضا علی انشاء حکومة واسعة قدر المستطاع، تمثل جميع الطوائف وتؤلف من أکثر الاحزاب الکبيرة، ضمنها الکتلة التي يرأسها علاوي.
من جهة لايران، باعتبارها دولة شيعية، اهتمام بتقوية العنصر الشيعي في العراق، ومن جهة اخری فان نماء المدينتين المقدستين الشيعيتين النجف (حيث يوجد قبر علي مؤسس الشيعة وإمامها الاول) وکربلاء، اللتين تتفوقان في قدسيتهما علی مدينة قُم في ايران، قد يسلب ايران تقدمها واستثنائيتها اللذين تمتع بهما الشيعة حتی الآن في ايران. والی ذلک، فان تعزيز النخبة الدينية في العراق علی حساب النخبة في ايران قد يکون له دور مهم ويکون لمصلحة اولئک الذين في ايران، ولا سيما جهات المعارضة، الذين يريدون تحدي السلطة الدينية التي يعتمد عليها نظام الحکم في طهران، خاصة سلطات الزعيم الأعلی وطلب تعددية أکبر. مع ذلک، فان موت آية الله فضل الله، ابن النجف، الذي عارض تنصيب خامنئي ’مرجع التقليد’ للطائفة الشيعية کلها، وکون آية الله السيستاني شيخا کبيرا ومريضا، قد يساعدان ايران علی ضمان تفوق قُم.
رغم أن ايران تستعمل الأساس الديني لتعزيز سلطتها علی الشيعة العراقيين، لحاجات سياسية في الأساس، (مثل التأثير في الناخبين قبل الانتخابات)، فلا يقين من ان تنجح في ذلک. بين استطلاع للرأي تم بعد الانتخابات الاخيرة في العراق أن 17 في المئة فقط من الشيعة ينظرون نظرة ايجابية الی الزعامة الايرانية، وعلی رأسها احمدي نجاد. وزعم 43 في المئة من الشيعة انهم ينظرون سلبا الی علاقات ايران بساسة عراقيين، ورأی 18 في المئة فقط هذه العلاقات أمرا ايجابيا.
الاقتصاد وغيره
لايران دور جليل في اقتصاد العراق، وهي الی جانب ترکيا أکبر شريکة في الاتجار مع العراق وهدفها الرئيس الذي تصدر اليه (غير النفط). لا توجد معطيات دقيقة عن مقدار التجارة بين الدولتين، والتقدير انه يقف علی اربعة مليارات دولار (وأعلنت الدولتان نيتهما مضاعفته). وکذلک تزود ايران العراق، الذي يعاني نقصا مزمنا من الکهرباء، بجزء لا يُستهان به من استهلاک الکهرباء. والمکان الوحيد خارج ايران الذي تُستعمل فيه العملة الايرانية، الريال، هو جنوب العراق. وکذلک يعمل في العراق مصرفان ايرانيان کبيران، وتغرق سلع من ايران، أکثرها مدعوم، من السيارات من انتاج ايران حتی طوب البناء والمنتوجات الغذائية، أسواق العراق. وعلی العموم فالتجارة بين الدولتين هي في اتجاه واحد، بقدر کبير. إن سنين من العقوبات والحرب المتواصلة جعلت العراق متعلقا تعلقا کبيرا بالسلع من ايران، ويُقدرون ان التجارة منذ سنة 2003 بين الدولتين تزداد 30 في المئة کل سنة.
في الحقيقة تلعب ايران دورا مهما في اعادة بناء العراق، لکن مشارکتها هناک في واقع الامر تُسهم في انشاء علاقة تبعية بين الدولتين. منذ سنة 2003 وقعت الدولتان علی عدد من الاتفاقات الاقتصادية، بل عينت ايران لجنة خاصة تخضع للرئيس احمدي نجاد، ترمي الی البحث عن سبل لتطوير العلاقات الاقتصادية بين الدولتين.
يبدو ان الولايات المتحدة لا تعارض تطوير العلاقات الاقتصادية بين ايران والعراق، وقد تری هذه خطوة ايجابية تُسهم في استقرار العراق. وکل ما بقي لها للتحقق منه أن التجارة لا تعارض العقوبات المفروضة علی ايران. أُبلغ في هذا الشأن زيادة تهريب الوقود الی ايران ولا سيما من مناطق الأکراد، إما بسبب کلفتها المالية الضئيلة وإما بسبب الرغبة في الالتفاف علی القيود علی ايران في هذا المجال. وليس من الممتنع أن يصبح العراق في المستقبل أداة مرکزية في يد ايران في محاولتها التهرب من عبء العقوبات، کلما زاد الضغط الدولي عليها.
قُرب زيارة احمدي نجاد للعراق في مارس 2008، وهي أول زيارة من رئيس ايراني للعراق منذ وقعت الثورة الاسلامية، أعلنت ايران انها تمنح التصدير منها الی العراق اعتمادا بمبلغ مليار دولار (زيادة علی مبلغ مشابه خُصص لبناء مطار في النجف من اجل عشرات آلاف الحجاج الايرانيين الذين يأتون الی المدينة کل شهر). في اثناء الزيارة وُقع علی سبع اتفاقيات للتعاون في مجالات التأمين والجمارک والصناعة والتربية وحماية البيئة والنقل العام، وتطوير مناطق التجارة الحرة قرب الحدود المشترکة في منطقة البصرة. في مارس 2009 زار العراق الرئيس السابق رفسنجاني ورئيس المجلس لارجاني، وأعلنا رغبة ايران في المساعدة علی اعادة بناء العراق.
ومن اجل تعزيز العلاقات بين الدولتين طلبت ايران زيادة عدد ممثليها الدبلوماسيين في العراق. وافتتحت قنصليتها الاولی في کردستان العراق سنة 2003. وفي حزيران (يونيو) 2010 افتتحت ايران قنصلية اخری، وهي الخامسة (وهذا أکبر عدد بين جميع الدول الـ35 التي لها ممثليات في العراق)، في المدينة المقدسة للشيعة النجف هذه المرة. کل ذلک زيادة علی السفارة الکبيرة في بغداد.
تحاول ايران أن تحظی بموالاة العراقيين (والمنطقة العربية) باستعمال وسائل اعلام باللغة العربية، وينبغي ان نذکر في هذا السياق محطة التلفاز الايرانية ’العالم’، التي بدأت تعمل عشية غزو الولايات المتحدة للعراق في ربيع 2003.
الجوار الجغرافي يُسهل علی ايران بطبيعة الامر ان تؤثر في جارها الضعيف. فعلی سبيل المثال اتهم العراق ايران عدة مرات بأنها تستعمل الماء للضغط علی حکومة العراق لاخراج منظمة مجاهدي خلق من العراق. يبدو ان القصد من تحويل نهري قارون (مصدر الماء لمنطقة البصرة) وسروان، اللذين يصبان في شط العرب، وانشاء سدود، وهو الامر الذي أفضی الی التقليل من تدفق الماء في هذين النهرين
الولايات المتحدة
کون العراق جارا لجمهورية اسلامية تريد التسلح بسلاح ذري، والرغبة في جعله نموذجا ديمقراطيا ناجحا (هو الاول في العالم العربي)، واحتياطيات النفط والغاز الضخمة فيه وکذلک الضرورة الاخلاقية التي تنبع من احتلال طويل، ستفضي الی ان يظل العراق في المستقبل ايضا حلقة مرکزية في توجه الولايات المتحدة لأمن المنطقة. إن مستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة والعراق قد يؤثر أکثر من کل شيء في قدرة ايران علی التدخل في شؤونه الداخلية. مع ذلک، تدرک الولايات المتحدة أن تدخل ايران في العراق جزء من الواقع. وقد قال کلاما من هذا القبيل سفير الولايات المتحدة السابق في العراق، کريس هيل، في مساءلة في لجنة الخارجية التابعة لمجلس النواب. وقال انه توجد أهمية لزيادة تأثير ايران في اتجاهات أکثر ايجابية وترکيز ذلک مثلا في السياحة الدينية والتجارة، و’مضاءلة التدخل السلبي الذي ميز سلوک ايران في العراق حتی الآن، في الوقت نفسه’.
بالکشف عن نشاط ايران والتشويش عليه (مثل اعتقال أفراد الحرس الثوري) حاولت الادارة الامريکية تقديم شهادات علی مبلغ تدخل ايران في العراق، ربما آملة بذلک ان يساعد هذا الامر علی دق إسفين بين ايران والنخبة العراقية. وکذلک حاولت الولايات المتحدة أن تعوق تدخل ايران في العراق بقرارات مجلس الأمن في شأن ايران، التي تشتمل علی حظر صريح لتصدير السلاح الايراني، وهو حظر يرمي في جملة ما يرمي اليه الی کف التأييد العسکري الذي تمنحه للعصابات المسلحة الشيعية في العراق. کذلک نشرت الادارة الامريکية تعليمات تمنح وزارة مالية الولايات المتحدة صلاحية تجميد أملاک ’اشخاص محددين يهددون استقرار العراق’ وفيهم کبار مسؤولي ’قوة القدس’، الذين أُضيفوا الی هذه القائمة في يناير 2008. وحاولت الولايات المتحدة ايضا الاقلال من تدخل ايران أو تغيير طابعه السلبي ببدء حوار مباشر بين الدولتين. وقد بدأ في أيار (مايو) 2007 حوار مع ايران (في مستوی السفراء) انحصر في إقرار الاوضاع في العراق باعتباره جزءا من دروس ’مجموعة دراسة العراق’، التي أوصت باجراء حوار مع جارات العراق کلها. لکن المحادثات قُطعت في ربيع 2008 بطلب من ايران، بلا أية نتائج کما يبدو.
يتعلق الجدول الزمني لاجلاء قوات الولايات المتحدة عن العراق بقضية الذرة الايرانية ايضا.
وهناک اعتقاد انه ما بقي جنود امريکيون في العراق، في عددهم الحالي، فانهم قد يصبحون هدفا لايران ردا علی کل هجوم علی منشآتها الذرية. من جهة نظرية، کل تسوية تتوصل اليها الدولتان في السياق الذري قد تُسهم في خروج ’أسهل’ لقوات جيش الولايات المتحدة من العراق، وکذلک ليس من الممتنع ان تُبين الولايات المتحدة عن مرونة في القضية الذرية مقابل ’مساعدة’ ايران علی إقرار الاوضاع في المنطقة. هل يلائم الجدول الزمني لخروج قوات الولايات المتحدة من العراق الجدول الزمني المُقدّر لاکتساب ايران القدرة الذرية العسکرية؟.
بحسب التقرير الاستخباري الحالي للولايات المتحدة، لن تستطيع ايران التوصل الی قدرة ذرية عسکرية قبل سنة 2013. اذا تحقق هذا التقدير فستستطيع الولايات المتحدة أن تُخرج في هذه المدة قواتها من دون خشية مس ايران بها، وأن تُجري معها في نفس الوقت محادثات تتعلق بمستقبل العراق وبمکانتها الذرية ايضا.
اذا کانت القوات الامريکية معرضة للاصابة برد ايراني فستکون مصلحة الولايات المتحدة الاستمرار في الاتصالات قدر المستطاع، وألا تحتاج الی الخيار العسکري الی ما بعد اجلائها. وفي الظروف المثالية ايضا، ليس من المعقول أن تُتم الولايات المتحدة اجلاء قواتها عن العراق قبل نهاية سنة 2011. لکن لا يبدو ان الادارة الامريکية مستعدة للانتظار حتی ذلک الحين لحل القضية الذرية، إلا اذا أمکن التوصل الی مصالحة مع ايران مؤداها ان تزيد الرقابة علی نشاطها الذري.
سيمنح اخراج القوات من العراق جيش الولايات المتحدة حرية أکبر في التخطيط لعمليات عسکرية في الخليج،.
وسيُمکّن الادارة من ان تهدد بصدق أکبر وإن يکن خفيا، ايران بعمل عسکري. لم تعترف ايران بتأييد العصابات المسلحة فحسب، بل لم تتردد عن ربط استمرار تأييدها إياها بتقديم برنامجها الذري. بحسب کلام جون ساورز، رئيس وکالة الاستخبارات البريطانية ’إم.آي 6’، ’طلبت ايران إتمام صفقة مؤداها ان تکف عن قتل جنود بريطانيين علی ارض العراق والتدخل في السياسة العراقية مقابل أن نسمح لها نحن (البريطانيين) بالاستمرار في برنامجها الذري’، في سنة 2005.
إن زيادة تدخل ايران في العراق قد تجعل الولايات المتحدة تزيد وجودها العسکري في الخليج لحماية حليفاتها، وهذا محقق بعد أن تُتم اخراج قواتها من العراق. التحدي الذي يواجهها هو کيف تثبِّت صلاتها بالعراق بحيث تستطيع هذه الدولة أن تعيد قوتها التي کانت لها في الماضي، لکن علی نحو لا يهدد جاراتها اللاتي هن أضعف منها. يجب علی الولايات المتحدة أن تُثبِّت شراکة استراتيجية مع العراق تکون جذابة وبمثابة بديل من تأثير ايران، وتستطيع ايضا ان ترمز للعراق بمساعدة اقتصادية وعسکرية من الولايات المتحدة، أنها تشترط المساعدة بالابتعاد عن ايران. وتستطيع الولايات المتحدة ايضا أن ترمز لايران ان کل مساعدة للعصابات المسلحة داخل العراق ستُجازی بمساعدة مشابهة من الولايات المتحدة لجماعات معارضة داخل ايران. إن امکانية ان تحدث قطيعة بين الولايات المتحدة وحکومة العراق في شأن السياسة نحو ايران، سؤال واحد من الاسئلة التي ستُطرح للبحث بعد خروج القوات الامريکية. وقد بقي سؤال هل سائر الموضوعات المختلف فيها بين طهران وواشنطن ولا سيما الشأن الذري، لم تشوش علی کل محاولة لجعل العراق يسير في النهج المستقيم، مفتوحا.
الخلاصة
إن تدخل ايران في العراق هو من بين العوامل التي تجتذب الانتباه الاکبر العالمي منذ بدء الحرب، لکنه بقي غير واضح بقدر کبير. کان هدف الاستعراض أعلاه أن نُبين انه رغم مقدار التدخل الکبير فان عليه قيودا لا يُستهان بها، ويصعب أن نشير، کما تخشی المنطقة العربية، السنيّة، الی سيطرة ايران المطلقة علی العراق. لا جدل في أن لايران مصالح جوهرية واهتماما کبيرا بما يحدث في العراق. فقد أصبح العراق في السنين الاخيرة حلبة صراع وتنافس بين ايران ودول عربية تحجم إحجاما کبيرا عن تسخين علاقاتها بالعراق لانها تری حکومة المالکي منفذة لأمر ايران.
إن العراق بعد انسحاب الولايات المتحدة قد يزيد التهديد الذي تتعرض له اسرائيل، ولو بسبب المس الممکن بمکانة الولايات المتحدة في الشرق الاوسط، ولا سيما اذا عُدّت الحکومة في بغداد حکومة ترعاها ايران. قد ينشئ هذا الوضع اتصالا جغرافيا يُسهل علی منظمات ارهابية موالية لايران الحصول علی قاعدة خروج لعمليات في اسرائيل؛ ويُمکّن سلطات ايران من ان تنقل بسهولة أکبر وسائل قتالية الی سورية وحزب الله وحماس وان تُحسن مکانة ايران الاقليمية. في المدة الاخيرة فقط حذر رئيس الحکومة من ’خطر تغلغل وتأثير ايرانيين عن طريق الاردن الی يهودا والسامرة’، وقال ان الحکومة تفحص امکانية انشاء حاجز أمني علی طول الحدود مع الاردن. ليس واضحا في هذه المرحلة ماذا ستکون آثار التأثير الايراني المتزايد في العراق علی أمور مثل انسحاب اسرائيل الممکن من غور الاردن في کل تسوية دائمة مع الفلسطينيين في المستقبل، وکذلک ايضا تأثير سوء الوضع المرتقب الأمني للدول العربية المعتدلة مثل دول الخليج والاردن في اسرائيل.
إن أهداف سياسة ايران کما قيل آنفا هي محاولة تحديد هيمنة الولايات المتحدة علی المنطقة، ومنع نشوء تهديد من قبل العراق واستعمال العراق باعتباره قاعدة انطلاق للتأثير في المنطقة. لکن قد تکون عند النخبة الايرانية ايضا مطالب تاريخية (الانتقام لجرائم صدام) واقتصادية (الرغبة في التعويض عن أضرار تلک الحرب)، يستطيعون احرازها بضعف العراق فقط. تشعر في الأمد القصير، ولمنع الهجوم عليها من داخل العراق ولاضعاف السلطة المرکزية في بغداد ليسهل عليها التأثير فيها؛ وفي الأمد البعيد، لتمنع قدر المستطاع نشوء نموذج منافس، أي دولة شيعية علمانية معتدلة، ذات سِمات ديمقراطية. وأهدافها الاخری هي: کف جماح الشعور القومي الکردي؛ ومنع العراق من ان يکون مستنبتا لجهات معارضة ايرانية (مثل مجاهدي خلق)؛ ومنع انتقاد العراق لسياستها (في کل ما يتعلق بالبرنامج الذري ايضا) ومنع انضمام العراق الی حلف معاد لايران؛ وإبقاء حصص تصدير النفط العراقي منخفضة؛ وأن تضائل قدر المستطاع التدخل العربي السنّي في العراق؛ وأن تمس بکل علاقة طويلة الأمد بين العراق والولايات المتحدة.
حتی لو بدا ان ايران انتقلت في السنين الاخيرة الی تأثير ’ألين’ في العراق، فانها ستکسب اذا حافظت علی علاقة وثيقة بالعصابات المسلحة الشيعية باعتبارها أداة ضغط للتأثير في سياسة العراق (دونما صلة ايضا بتکوين الحکومة ومقدار الوجود الامريکي في العراق) وباعتبارها أمنا من کل تطور. ليست ايران معنية بتدهور الوضع الداخلي في العراق لان عدم الاستقرار هناک قد ينتقل اليها ايضا. لکن اذا ضعفت السلطة المرکزية في بغداد، فان ايران قد تقوي سيطرتها علی الجنوب الشيعي. ليست ايران الجهة الوحيدة التي تريد التأثير في صوغ شکل الدولة العراقية، لکنها الأکثر اندماجا في المجتمع العراقي وستکون الأکثر تضررا اذا ضعف تأثيرها.
لا تستطيع ايران السيطرة علی العراق، لکنها تستطيع التأثير فيه کي لا يهدد العراق مصالحها الجوهرية، أو يمکّن قوات امريکية من فعل ذلک. لا تتعلق مشکلات العراق في أکثرها بتدخل هذا اللاعب الخارجي أو ذاک، لکن ازمته تُمکّن من التدخل الخارجي بسهولة أکبر. إن تأثير ايران في العراق غير ممتنع، ولو بسبب عوامل تاريخية وطائفية وجغرافية.
من المهم دوام تعقب تدخلها وإظهاره لان زيادة ادراک دورها السلبي في العراق قد يفضي الی زيادة معارضتها في العراق وزيادة الضغط الدولي عليها ايضا. تری ايران مغادرة القوات الامريکية انجازا وبابا الی زيادة تأثيرها في المنطقة عامة وفي العراق خاصة. ويتعلق الشکل الذي تستطيع به تحقيق تأثيرها بالنخبة العراقية تعلقا کبيرا، وکيف يوازن العراق بين جميع جاراته، وبالدور الذي ستؤديه الولايات المتحدة ايضا في الدولة العراقية في المستقبل. وستزداد أهمية ذلک بيقين في وضع تکون فيه لايران قدرة ذرية. ففي هذا الوضع ليس من الممتنع أن يقرر العراق، مثل دول اخری في المنطقة، ان من الجيد له ان يلائم نفسه مع مصالح طهران.