728 x 90

من بطولات ملحمة «الضياء الخالد»

-

  • 7/22/2007
المجاهدة الشهيدة طاهرة طلوع
المجاهدة الشهيدة طاهرة طلوع

 

المجاهدة الشهيدة البطلة طاهرة طلوع (الآمرة سارا) استشهدت في عملية «الضياء الخالد» الجبارة عام 1988بعد معرکة بطولية فغرز جلادو النظام خنجراً في قلبها ثم علقوا جثتها بالمقلوب في قارعة الطريق

 

وللحرية الحمراءِ بابٌ

بيدٍ مضرّجة بالدماء يُدَقُّ

(أحمد شوقي)

 

في زمن حضور الجيش التحرير الوطني في العراق هناك متحف في لشهداء المقاومة الإيرانية وفي جناح من المتحف يتسمر کل امرأ عند نصب ملحمة امرأة مجاهدة بطلة وهي «طاهرة طلوع بيدختي» (الآمرة سارا). ففي هذا النصب والصورة الفوتوغرافية المروعة نشاهد جثة «طاهرة» البطلة المضرجة بالدماء وهي معلقة بالمقلوب ورجلها مربوطة بشجرة علی صخرة وخنجر مغروز في قلبها. نعم جلادو خميني أظهروا قسوتهم بحق هذه الآمرة في عملية «الضياء الخالد» في صيف عام 1988 إذ إنها کانت قد تصدت لهم بوحدها وأوقفت زحف وحدة من قوات حرس خميني لساعات عدة وألحقت بهم خسائر فادحة. وکان أفراد خميني القساة قد ترکوا جثة البطلة «طاهرة» لساعات بهذه الحالة علی المرأی العام وذلک بهدف ترهيب الناس غير أن المواطنين تلقوا منها درس المقاومة والتضحية وسردوا قصصاً عن ملحمة «طاهرة» هذه المرأة الشجاعة والآمرة البطلة المجاهدة التي لا تزال قصتها تتردد علی ألسن أهالي منطقة العملية المذکورة. ووصلت هذه الصورة المعبرة عن قسوة النظام إلينا عن طريق أحد من سکان المنطقة يدعی ”علي صفري“ الذي تأثر بشکل عميق من الملاحم البطولية التي خلقها المجاهدون في «الضياء الخالد» فالتحق بصفوف جيش التحرير حاملاً معه الصورة المذکورة إلا أنه هو الآخر استشهد في معرکة أخری من معارک جيش التحرير فانضم إلی رکب الشهداء خالقي الملاحم.

 

 

في موقع مطل علی طريق کرمنشاه تبدو الجثة المضمخة بالدم للبطلة المجاهدة «طاهرة طلوع بيدختي»

 

وسام شرف

 

إني قابعة هنا علی منعرج هذا العرقوب منتظرة منذ ما يقارب عشر سنوات. عند ما يبدو شخص من الأفق الشاسع أحدق إلی الطريق ربما يکون القادم «هو»،  لأني أنتظره. لقد قالت «سارا» إنه سيجي‏ء. قد تسألون من هي «سارا»؟کانت سارا وسام شرف تم تقليدي به يومًا ما. دعوني أسرد عليکم قصة سارا لتعرفونها أنتم أيضًا.

في ذلک اليوم الذي صارت فيه السهل برکانًا للحديد والنار کانت سارا قد جاءت هنا بالضبط وامتدت بجانب جذعي. لم أکن أعرفها في البداية. مازال بارود سلاحها باق علی أغصاني تذکارًا منها. ذلک اليوم ناداها أحد من أسفل الصخرة صارخًا: «الأخت سارا! الأخت سارا! جميع الأولاد يرحلون. ألا تأتين لنرحل؟».

هنا عرفت أن اسمها «سارا». أحنت رأسها من دون رفع يدها عن قبضة بندقيتها الرشاشة، قائلة: «لا! أنتم ارحلوا! فإني سوف أجي‏ء في وقت لاحق».

الشخص الذي لم أکن أشاهده، سأل من الطريق صارخًا: متی؟

أحنيت علی جذعي ونظرت إلی العرقوب فرأيت مجموعة من الحرس واقفين خلف مدخل العرقوب.

ففتحت سارا النار عليهم من رشاشتها وأسقطت عددًا منهم علی الأرض والباقون انسحبوا واحتموا خلف الصخور.

فعادت سارا صارخة: «اذهب يا حسين، آمرک بأن اذهب!».

صرخ حسين مرة أخری قائلاً: «الشباب ينتظرونک! تعالي لنرحل!».

کنت بجانبها آنذاک وأری بوضوح بريق نظرتها في تلک اللحظات. وهذه المرة قالت غاضبة: «قل للشباب إن سارا أمرت بأن ارحلوا!».

فحاليًا کنت أکشف تدريجيًا بعض الأمور. فکشفت أن سارا قائدة. کان أعداؤها يزحفون إليها وهي تريد سد الطريق أمام العدو بفتح النار عليه من علی الصخرة.

نظرت إلی أسفل الصخرة حيث کانت جثث سقطت في العری علی قارعة الطريق. کان رتل من العجلات يسير ويبتعد. وکان حسين قد وقف علی الطريق وهو يصيح واضعًا يديه علی جانبي فمه ولکن الريح کانت تمنع من وصول صوته إلينا.

فأومأت له سارا بيدها ملمحة بأن يرحلوا!

وبعد ذلک ربتت بيدها علی عقب بندقيتها وبدلت مخزن البندقية ثم اعتمدت علی جذعي برأسها ونظرت إلی الشمس من خلال أغصاني وأوراقي. ليتني أعرف في تلک اللحظات بما ذا کانت تفکر؟. کنت أشعر احترامًا لها في قلبي برغم کوني قد عرفتها منذ مدة قصيرة. کانت إرادتها الصلبة تثير إعجابي. لم أتمکن من تمالک نفسي فقلت لها بهدوء: إنهم سيقتلونک!

قالت: لا بأس! ولکن مادام «مسعود» حيًا فجميعنا أحياء!

سألتها: من هو «مسعود»؟

قالت: آه. فأدارت نظرتها إلی جانبيها وعادت تعتمد علی صدري برأسها قائلة: سترينه يومًا ما.

سألتها: متي؟

قالت: لا أعرف... ولکني واثقة بأنه سيزور يومًا من الأيام هذه الصحراء وهذا العرقوب وذلک الممر. ولعله يزورک أيضًا.

ثم مضت قائلة بسرور: إذا حضر هنا وزارک، بلغي سلامي له! أزيحي الغبار من صورته بأوراقک وقولي للريح أن تربت علی وجهه. ابسطي فيئک عليه لتخففي عنه وقع التعب.

ففي هذه اللحظة بدت طليعة رتل العدو من مدخل العرقوب. قلت: لقد جاءوا!

فانقضت سارا فورًا علی بندقيتها وفتح النار عليهم. فاصطدمت السيارات بالصخور المتراصة علی جانبي الطريق فتوقفوا عن السير. فقفز من خلفها عدد منهم مذعورين واحتموا بالمنعرج الذي في مدخل العرقوب.

عاد سلاح سارا ليهدر. فاستلقی أفراد العدو علی الأرض. کان عددهم کبيرًا جدًا. وبعد لحظة تدفق قطيع آخر منهم من مدخل العرقوب. فعاد سلاح سارا ليهدر مجددًا. فسقطت مجموعة من أفراد العدو وانسحب آخرون. فکانت سارا قد أغلقت المدخل عليهم بنار سلاحها. وبعد مدة نزلت فصيلة من العدو إلی الأسفل من جانب اليسار. ثم سمع فجأة صوت وابل من الرصاص وصرخات هائلة من هذا الجانب من التل. وکانت سارا تفتح النار علی الجانبين، تارة علی وجاهها وتارة علی خلف رأسها. في هذه اللحظات شعرت بحرارة علی جذعي. کان دم سارا ينهمر عليه. نظرت إليها. کانت سارا قد سقطت علی الأرض وجرح کبير قد تفجرت علی کتفها.

لقد صعد العدو من الجهات الأربع. کانت سارا قد سقطت علی الأرض صامتة هامدة. صاح آمر قوة العدو قائلاً: لقد قتلت، اذهبوا أطلقوا عليها رصاص الرحمة.

توجه إليها عدد من أفراد العدو بکل هدوء وخطوة بخطوة. قال أحدهم: کان شخص واحد فقط؟ أوقفنا في کل هذه المدة خلف العرقوب حتی رحل جميع أفراد کتيبتها.

وقال الآخر متحيرًا: إنها امرأة! کنت أعتقد أن ما لا يقل عن فصيلة تخندقت هنا!

ثم اقترب منها ورفع کتف سارا بمقدمة خفه. وفي هذه اللحظة عاد سلاح سارا يهدر ويدوي من جديد وأسقط أربعة أشخاص آخرين من العدو علی الأرض. والباقون ألقوا أنفسهم علی الأرض.

وهذه المرة ألقی آمر قوة العدو قنبلة يدوية علی سارا. ثم أمر جميع أفراده بالهجوم. فراحوا يطلقون النار جماعيًا علی جثة سارا، ثم غرز أحدهم حربة في قلبها.

ثم جلبوا حبلاً وربطوها برجليها. ألقوا الحبل علی جذعي ثم ألقوا جثة سارا من علی الصخرة متجهة نحو الأسفل أي رأسًا علی عقب.

فمنذ ذلک اليوم أصبحت سارا بمثابة وسام شرف وعز تقلدته من جذعي إلی صدر الصخرة.

ففي الأيام اللاحقة کان کل من يمر بالطريق يقف أمام الصخرة التي کنت أنا قد تقلدت وسام الشرف هذا علی صدرها، وکان ينظر في البداية بکل دقة إلی ما يراه معلقًا علی الصخرة يبدو لو کان يقرأ کتابة أثرية علی صدر الصخرة ثم تساوره الدهشة ويقف وقفة احترام وتحية لها ويمر. حاليًا فأنا مازلت منتظرة. أنتظر هنا وعلی هذا العرقوب منذ ما يقارب أحد عشر عامًا. متی ما يطلع علي أحد من البعيد. فأحدق علی منعطف الطريق. لأني أنتظره «هو». قالت سارا إنه «هو» سيجي‏ء. وخلال هذه السنوات أعددت عبارات لأقرأ عليه عند ما جاء «هو» إلی هنا ونظر إلی صدر الصخرة حيث تعلقت جثة سارا الهامدة. لقد همست هذه العبارات مرات عديدة في أذن الصخرة:

أنا کتابة

کتابة خالدة عن صمود جيل

بخنجر في صدري

معلقة علی القلب الحجري للزمن

اسمي کتابة «سارا»

لقد حُکِکتُ بخط الدم

وهو خط الزمن

علی القلب الحجري للأرض

هل ترون مازال الدمُ

يقطر من کل کلمتي

علی الأرض؟

 فشاهِدوا بأم أعينکم

في جثتي الهامدة

إرادة عزومًا مدهشة

تحلت بها امرأة

اسمها

نهاية الأغلال وتحطم السلاسل

أقرؤوا في جثتي

مدی الإجرامية الرهيبة للعصر

اسمي «طلوع»

يبشر بطلوع «شخص»

يذيب دفء اسمه الحنون

القلبَ الحجري للزمن

 

 

مختارات

احدث الأخبار والمقالات