728 x 90

رسالة الفداء والخلاص والتحرر للإنسانية

رسالة عاشوراء الحسين (ع)

-

  • 9/30/2017
يوم عاشوراء
يوم عاشوراء
 
 
 
 
خطاب الأخ المجاهد مسعود رجوي
بمناسبة يوم عاشوراء 1420 (نيسان 1999)
 
لا يخفی علی أحد أن الرسالة الحسينية هي رسالة الخلاص والتحرر ورسالة العز والفخر ورسالة بذل الغالي والنفيس والفداء والتضحية السخية ورسالة الشرف والرسالة الإنسانية. وفي ذلک العهد کما في عصرنا هذا کان هناک أشخاص واعون يلمون بالأوضاع وکان سيدنا الإمام الحسين (ع) يعتبرهم مسؤولين… ولذلک السبب وفي أواخر عهد معاوية عند ما کان يدور الحديث عن ولاية يزيد، بعث الإمام الحسين برسائل إلی أکثر من ألف من الأشخاص الواعين والمثقفين وعلماء العصر آنذاک دعاهم فيها ليجتمعوا في مکة فاجتمعوا هناک وألقی لهم تلک الخطبة المعروفة التي وبخهم فيها وألقی عليهم اللوم بشدة کونهم لا يتحملون المسؤولية، فصرخ عليهم متسائلاً: لماذا لا تحرکون ساکنًا؟ لماذا أصبحتم تتعايشون مع هذا النظام في السلم والتصالح؟ لماذا تتخاذلون وتتسامحون معه؟ لماذا هذه المداهنة والمساومة؟ فأنتم مذنبون. وکان قد دعا لحضور ذلک الاجتماع کل من کان يعرفه منذ عهد النبي (ص) وإذا کان قد توفي فقد دعا أولاده. ففي ظروف ذلک العهد ونظرًا إلی المسافات الشاسعة ووجود مشکلة النقل کان عقد المؤتمرات والتجمعات والاجتماعات عملية صعبة للغاية خاصة من جميع أنحاء ذلک البلاد الواسعة، ولکن في نهاية الأمر احتشد ألف شخص وهذا العدد للمجتمعين عدد کبير بالنسبة لذلک العهد ونظرًا للظروف السائدة آنذاک. فقال الإمام الحسين في تلک الخطبة المعروفة: «لقد خشيت عليکم أيها المتمنون علی الله أن تحل بکم نقمة من نقماته… وقد ترون عهود الله منقوضة فلا تفزعون وأنتم لبعض ذمم آبائکم تفزعون وذمة رسول الله (ص) محقورة والعمي والبکم والزمن في المدائن مهملة لا ترحمون ولا في منزلتکم تعملون ولا من عمل فيها تعنون وبالإدهان والمصانعة عند الظلمة تأمنون… وأنتم أعظم الناس مصيبة لما غلبتم عليه من منازل العلماء. لو کنتم تسعون ذلک… ولکنکم مکنتم الظلمة من منزلتکم واستسلمتم أمور الله في أيديهم يعملون بالشبهات ويسيرون في الشهوات. سلطهم علی ذلک فرارکم من الموت وإعجابکم بالحياة التي هي مفارقتکم. فأسلمتم الضعفاء في أيديهم فمن بين مستعبد مقهور وبين مستضعف علی معيشته مغلوب يتقلبون في الملک بآرائهم ويستشعرون الخزي بأهوائهم اقتداء بالأشرار وجرأة علی الجبار. في کل بلد منهم علی منبره خطيب يصقع، [مثل هذه المسرحيات المسماة بـ «صلاة الجمعة» التي يقيمها نظام خميني] فالأرض لهم شاغرة وأيديهم فيها مبسوطة، والناس لهم خول لا يدفعون يد لامس، فمن بين جبار عنيد وذي سطوة علی الضعفة شديد… فيا عجبًا وما لي لا أعجب والأرض من غاش غشوم ومتصدق ظلوم وعامل علی المؤمنين بهم غير رحيم، فالله الحاکم في ما فيه تنازعنا…».
ثم اختتم الإمام الحسين (ع) حديثه بالقول: «اللهم إنک تعلم أنه لم يکن ما کان منا تنافسًا في سلطان ولا التماسًا من فصول الحصام [يا للعجب!، کيف اضطروا الإمام الحسين (ع) لأن يوضح أنه لا ينوي الوصول إلی السلطة!] ولکن لنری المعالم من دينک ونظهر الإصلاح في بلادک ويأمن المظلومون من عبادک [يا للعجب!کيف يضطر رسول الحرية الخالد إلی أن يقول «لم يکن ما کان منا تنافسًا في سلطان… ولکن لنری المعالم من دينک ونظهر الإصلاح في بلادک ويأمن المظلومون من عبادک»!] ويعمل بفرائضک وسننک وأحکامک فإنکم تنصرونا وتنصفونا قوی الظلمة عليکم وعملوا في إطفاء نور نبيکم وحسبنا الله وعليه توکلنا وإليه أنبنا وإليه المصير». هذا کان حديث الإمام العقائدي للمجاهدين ومقتدانا التاريخي الذي يفرز الحدود بکل هذا الوضوح والشمول مع خميني والخمينيين، کما قال: «کل حي سالک سبيلي». ويقال إنه عند ما کان الإمام الحسين (ع) قد ذهب إلی ضريح الرسول الأکرم(ص) في المدينة للوداع الأخير مع جده تغلب عليه النعاس لعدة لحظات، ربما کان تعبًا للغاية بسبب المتاعب والمصاعب الناجمة عن شواغل ونشاطات تلک الأيام من أجل حماية رسالة القرآن والإسلام…… فرأی النبي الکريم في المنام يقول له: «إن الله شاء أن يراک قتيلاً». وکتب البعض أنه رأی في تلک القيلولة جده يقول له: «إن الله شاء أن يراک أنت وطفلک الصغير (علي الأصغر) قتيلين»… وکان يزيد وعملاؤه يعتزمون إما أن يأخذوا البيعة من الإمام الحسين (ع) في المدينة ذاتها أو يقتلوه شهيدًا هناک. فلذلک لم يتريث الإمام الحسين (ع) فاختار الهجرة حيث سلک مسارًا طويلاً من المدينة إلی مکة ومن ثم إلی مشارف الکوفة مرورًا بصحاری الجزيرة العربية. کانت الکوفة آنذاک مرکزًا للثورة وبؤرة للغليان الشعبي ومن هناک تدفقت الرسائل إلی الإمام الحسين (ع) حيث دعوه فيها وبأقوال معسولة للرحيل إلی الکوفة.
 
 سيدنا عباس (ع) حامل راية الجيش الحسيني
 

 
في العهد الماضي الذي لم تکن فيه الجوامع والتجمعات لمناسبة حلول شهر محرم الحرام وبدء أيام العزاء الحسيني قد تلوثت بدنس وجود خميني أي ما قبل مجيء سالکي درب يزيد في عهدنا هذا إلي السلطة في بلدنا وهم آل خميني، کان الحديث يدور تقليديًا عن سيدنا أبي الفضل العباس (ع) وکانت الأشعار والمراثي تنشد وتغنی في سرد قصة استشهاده ومناقبه… وکانت المراسيم والتجمعات والطقوس الخاصة لشهر محرم ويوميه تاسوعاء وعاشوراء (التاسع والعاشر من شهر محرم) تتسم بطابع معاد للشاه وللظلم والاضطهاد والديکتاتورية وکان يوم تاسوعاء يخص لبطل عاشوراء الحسين وفارسها وحامل رايتها قمر بني هاشم أبي الفضل العباس عليه السلام الذي توجه في يوم عاشوراء نحو نهر الفرات سعيًا لسقاية الأطفال العطاشی وحرم الإمام الحسين فنجح في الاستيلاء علی النهر بعد معرکة ضارية وهو يعاني من عطش قاتل ويری الماء البارد والعذب يجري ويتموج مستفزًا إياه ليشرب منه تهدئة لعطشه. فامتدت يده نحو الماء لتأخذ منه قدر ما يهدئ عطشه القاتل ولکن فوجئ بغليان موجة هادرة ومتلاطمة داخل ضميره من النوع الذي کان قد دفع حتی الآن سفينة وجوده إلی الأمام وسط عاصفة الأحداث، واجتاحت الموجة کامل وجوده العطشان والتعب، ولکن وبخ نفسه أنه يا نفس لا تحيی بعد الحسين هل تطلبين الماء البارد فيما أن الحسين وأصحابه يتجرعون الموت؟، کلا، لا ينسجم ذلک مع ديني وعقيدتي… هو أبو الفضل العباس الذي بقی حيًا وخالدًا في تاريخنا متمثلاً في يمين وهو يمين الوفاء والعطاء والتضحية والنخوة وقد أطلق عليه لقب «قمر بني هاشم» أي قمر الأسرة الهاشمية وهو «القمر المنير» والوضاء الذي تألق علی ساحة الطف بيوم عاشوراء الخالد. وفي ذلک يقول شاعر إيراني: قل لا تضيئوا الشمعة في بيتنا هذا، لأن وجه المحبوب أضاء حفلنا هذه الليلة کالقمر البدر. وعلی النقيض تمامًا مما يتصف به آل زياد وآل مروان وشمر ويزيد وأتباعهما في عصرنا هذا وهم الملالي الخمينيون
فإن جميع هذه القيم والمعاني السامية تقف وجهًا لوجه کل رموز الدناءة واللؤم والخبث والطعن والغدر وکل رذيلة أخری. وهکذا کان أولئک الذين رموا سهام الغدر علی العباس في ذلک اليوم… ولکن في مثل هذه المنعطفات يظهر الرجال والنساء السالکون سبيل الله حقيقتهم.
وفي مناقب سيدنا العباس (ع) أنشد شاعر إيراني، يقول: نفدي عاشقًا سيغبط شهداء درب العشق في يوم الحشر رتبته وهو العباس ذائع الصيت الذي يطلب منه شجعان الزمن حراسة سمعتهم.
وأما بالنسبة للمجاهدين فإن اسم عباس يذکرهم بالآية القرآنية التي نقشت علی ضريحه ومشهده وهي: «فضل الله المجاهدين علی القاعدين أجرًا عظيمًا».
فهذه الآية المنقوشة علی ضريح سيدنا العباس لها مدلول خاص لأن جذورهم العقائدية تنحدر من الإمام الحسين وسيدنا عباس عليهما السلام في يوم عاشوراء وهم قطرة من بحر الحسين وغصن من الدوحة العقائدية الحسينية وهم مصطفون في قلب الجيش الحسيني الذي کان قمر بني هاشم قائد أرکانه وحامل رايته. ومبدئيًا فإن رسالة الإمام الحسين وعاشوراء تکمن في دورهما في رسم حدود الإنسانية والتحرر مع ما دون تاريخ الإنسان أي الدنيا الحيوانية. والبيت القصيد لهذه الحدود هو «العقيدة والجهاد». وهذه الرسالة هي منطلقنا ومصدرنا العقائدي والسياسي ومصدر نهجنا النضالي والسوقي المتمثل في فتح الطريق المسدود بفعل الإمعان في التضحية السخية بغض النظر عن الظروف السائدة ولو کانت حالکة وقاتمة. وبهذا المعيار والمقياس وبهذا النوع من رسم وفرز الحدود نجحنا في ترسيخ دعائمنا تجاه الشاه ثم تجاه الملالي ومن ثم تقدمنا إلی الأمام..
 
هيهات منّا الذلة
 
 
 
فدعوا لنستخلص القول لعملاء وجلاوزة الرجعية والاستعمار إنه «هيهات منا الذلة» وإن درب الإمام الحسين (ع) وعاشوراءه هما الکفيلان في الماضي والحال والمستقبل لبقاء نهجنا النضالي واستمراريته لأن إمامنا العقائدي والمثالي وقائدنا التاريخي الحسين بن علي (ع) هو الذي شق هذا الطريق أمامنا وضمن نجاحها وعالج شؤونها. حقًا يا تری، لو انحرفنا من هذا المعيار والمقياس الحسيني والعاشورائي ماذا لتبقی منا؟ هل کان يتبقی منا غير حفنة من السياسيين البائسين العاجزين أو حفنة من سماسرة السياسة أي کائنات مجردة من الشرف والنخوة والتقوی والمبادئ البشرية؟ مثلما أصيب به اليوم أولئک المتخبطون في الذل والهوان الذين ليسوا في نهاية المطاف أکثر من ذيول لنظام الملالي الحاکم في إيران. ولکن المجاهدين ضحکوا علی هذه الأباطيل وأقوال الهراء طيلة کل هذه السنوات العجاف لأن مقياسهم في التمييز بين الإسلام المزيف والإسلام الحقيقي هو الإمام الحسين (ع) ونهجه المتمثل في يوم عاشوراء، ولأنهم واقتداء بالإمام الحسين (ع) يرون الحياة عقيدة وجهادًا، إذًا فما لنا وشأن أولئک الذين إمامهم خميني وخامنئي ورفسنجاني وأمثالهم؟. فإنهم أعداؤنا وأعداء شعبنا وإنما الفاصل بيننا وبينهم بحر من الدماء. وحتی کان يقال بخصوص الإمام الحسين (ع) إنه «يبتغي الحکم وهو أجنبي أو يسعی للوصول إلی السلطة ويثير الشغب والقلاقل ويدعو إلی العنف» بالرغم من کونه سبطًا للنبي الکريم (ص) وکون جيشه لا يتجاوز عن 30 فارسًا و42 راجلاً أي بالمجموع 72 مقاتلاً کان 32 منهم من أعضاء أسرته وحرمه. ولکن کان يقول هو نفسه: «إذا أقمت بمکاني فبماذا يبتلی الخلق المتعوس وبماذا يختبرون» واليوم أيضًا لو لم ينتفض المجاهدون ولم ينهضوا بأداء واجبهم ولم يخلقوا ملحمة 20 حزيران عام 1981 فأي امتحان واختبار لکان أمام الناس؟
استلهام المجاهدين من خطب الإمام الحسين (ع)
کان الإمام الحسين (ع) يقول: «إني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهی عن المنکر، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولی بالحق ومن رد علي هذا، أصبر حتی يقضي الله بيني وبين القوم وهو خير الحاکمين وقد غسلت يدي من الحياة وعزمت علی تنفيذ أمر الله… ألا ومن کان فينا باذلاً مهجته مولعًا علی لقاء الله فليرحل معنا فإني راحل مصبحًا إن شاء الله».
وأقبل علی أصحابه ليلة عاشوراء فقال لهم: «إن القوم ليسوا يقصدون غيري وقد قضيتم ما عليکم فانصرفوا فأنتم في حل». ومن المعروف أنه لم تکن آنذاک تتوفر إطلاقًا ظروف مواتية تکفل انتصار هذه النهضة والثورة التي هي أم الثورات جمعاء خاصة أن قواتها لم تکن تتجاوز عن 30 فارسًا و40 راجلاً. ولکن يا لفرسان ويا لراجلين؟. کان حبيب بن مظاهر آمر الجناح الأيسر للجيش الحسيني وهو يناهز التسعين من عمره. وکان قد بلغ من الشيخوخة حدًا دفعه إلی أن يربط جبينه بقماش يمنع من تدلي تجاعيد جبينه علی عينيه. تحداه للمنازلة وغد من جيش العدو في طور من أطوار يوم عاشوراء، فخاطبه أحد من رفاقه في السلاح قائلاً: يا حبيب، مهلاً، لنؤدي الصلاة الأخيرة معًا. فأجاب حبيب بقوله: أود أن أؤدي الصلاة اللاحقة في الجنة. ثم هاجم جيش العدو بلا تريث وألقی منهم عددًا کبيرًا واحدًا تلو آخر. حيث يقولون أن حبيب قتل بوحده 62 عميلاً من قوات العدو وهو علی تلک الحالة أي فيما کان جبينه مربوطًا بقماش… وکان الإمام الحسين (ع) قد قال في ليلة عاشوراء: «کل حي سالک سبيلي» وهذا هو سر بقاء مجاهدي خلق أيضًا قيد الحياة والاستمرارية کونهم سلکوا درب الحسين (ع) واحتذوا به، فعلی سبيل المثال وخلال مرحلة النشاط السياسي والمواجهة السياسية مع نظام خميني قدموا خمسين ونيف شهيدًا وآلافًا من السجناء السياسيين الذين تعرضوا للتعذيب ولکن لم يطلقوا حتی رصاصة واحدة… ولکن نحمد الله علی أنه وبعد إتمام الحجج وإطلاق التحذيرات الکافية لقد تبرعمت النواة التي کان الإمام الحسين (ع) قد زرعها فتجذرت في أعماق القلوب والضمائر. إذًا فدعوا الملالي الدجالين ليتخذوا من الإمام الحسين (ع) کلامًا وسلاحًا ضده أي ما فعل به معاوية مع النبي الکريم (ص) حيث حاول الاتخاذ من الإسلام والنبي الکريم (ص) سلاحًا ضد الإسلام ونبيه.
 
إدامة المعرکة بعد عاشوراء

أما الباقون خاصة الإمام السجاد (زين العابدين علي بن الحسين) فقد حمتهم وأولت العناية بهم زينب الکبری بکل تدبير وصلابة وشجاعة وبکل ذکاء معجب ومبهر. ولو لا ذلک ولو لا دور زينب الکبری الملائکي والقيادي لما أبقی الجلادون والسفاحون الجاهزون والمستعدون لإراقة الدماء حيًا يتنفس من الأسری بعد عاشوراء الحسين سواء في قصر ابن زياد بالکوفة أم في قصر يزيد بدمشق. ذلک لأن الله سبحانه وتعالی أراد أن يحقق مشيئته علی أيدي زينب الکبری سلام الله عليها. ففي حفل ابن زياد بالکوفة کانت الرؤوس المذبوحة قد عرضت علی الرماح متراصة في هامش الحفل فيما کانت نساء وأطفال أسری لم يکن يحسب لهم أي حساب في ثقافة ذلک العهد بالإضافة إلی فتی مريض بالغ من العمر عشرين ونيف عامًا يمثلون متبقي الإمام الحسين (ع). فبدأ ابن زياد بتلاوة آية من القرآن، تمامًا مثلما يتلو الملالي الخمينيون اليوم في إيران، وخاطب زينب الکبری قائلاً لها: «أرأيت أن الله کيف جعلت دائرة السوء عليکم حيث يقول سبحانه: "وعليهم دائرة السوء"»!! وأضاف: «فانظري، ما ذا تري؟». فألقت زينب نظرة إلی المشهد المتمثل في رؤوس مرفوعة علی الرماح کانت الدماء مازالت تقطر من بعضها وإلی الأطفال المتناحين، ثم قالت: «وما رأيت إلا الجميل»…
 
عودة إلی مسرح عاشوراء

بعد ما استشهد العباس حامل راية الحسين (ع) وقائد جيشه لم يبق في معسکر الحق أکثر من مقاتل. فيا عجبًا عجبًا! وأما في معسکر الباطل کان هناک حفنة من العملاء الهمجيين المسعورين بقيادة ابن سعد وشمر. نعم بقي في معسکر الحق مقاتل واحد فقط کان يصيح «هل من ناصر ينصرني؟»، ثم يزأر کالأسد بأن «القتل أولی من رکوب العار». وعند ما کانت السيوف تأخذه والسهام المسممة تمطر عليه، کان يعود ويصيح: «إن کان دين محمد لا يستقيم إلا بقتلي فيا سيوف خذيني». حقًا ما أمهر وأبرع رسامًا قد خطط وصمم لوحة عاشوراء…! ولکن مصير علي الأصغر کان قد بقي غير مقرر بعد وکان والده يلتهب غضبًا. فحمل الطفل علي يده ونادی القوم قائلاً: «ما ذا ذنب هذا الطفل؟». حرسي دنيء لئيم يدعی «حرملة» وضع سهمًا قاتلاً في القوس ورماه «فوقع السهم في حلق الصبي فذبحه». وبعد أن أريق دم علي الأصغر قبض الإمام قدرًا من دمه بيده ثم رشه نحو السماء وهو يقول: «اللهم تقبل مني هذا»…کما وبعد أن سقط حامل رايته العباس شهيدًا قال: «اللهم تقبل مني هذا». ويقال إن الحسين (ع) لم يتجهم وجهه في أي من مواقف المعرکة، إلا بعد استشهاد حبيب البالغ من العمر 90 عامًا وآمر الجناح الأيسر للجيش الحسيني. وأما آمر الجناح الأيمن فهو کان زهير البطل الشهم الذي اجتاز مرحلة صعبة عند ما ودع وطلق زوجته. فقد کان يسعی في الطريق للابتعاد عن قافلة الإمام الحسين (ع). حتی أوفد الإمام الحسين (ع) رسولاً إليه ولکنه کان يکره الانضمام إلی رکب الإمام، فکان قد تزوج حديثًا. لذلک کان مترددًا ومرتابًا. حتی صاحت عليه زوجته قائلة له: ألا تخجل يا رجل؟ إن الحسين يوفد إليک رسولاً ولکنک تتردد وتتريث مفکرًا في نفسک وعيشک؟ وهنا نهض زهير وتوجه نحو خيمة الحسين ودخل عليه… وعاد بعد لحظات، ولکن هذه المرة، لم يعد يعرف تلک المرأة أي زوجته. فقال لها: لقد وهبت لک جميع أموالي فعودي إلی بيتک، إلی والدک… ومثل هذه اللحظة التي يمر بها أحيانًا عباد الله المخلصين هي اللحظة التي مر بها الإمام الحسين (ع) نفسه وشهدته السيدة زينب وقالت عنه: «عندما جاءنا للوداع الأخير کان يبدو کأنه لا يعرف أيًا منا وأي شخص…».
 
استشهاد الحسين (ع) رسالته الأخيرة

وأخيرًا بعد ما ألقي سيد الشهداء (ع) جريحًا سقط علی الأرض علی جانب له وهو يتمتم بأسماء أصحابه قائلاً: «وها أنا التحقت بکم مؤديًا واجبي». وفي آخر رسالة له خاطب حرمه، قائلا: «إذا أنا قتلت فلا تشق إحداکن علي جيبًا ولا تخمش وجهًا ولا تدعي علي بالويل والثبور، فإني لا أعلم أصحابًا أوفی ولا خيرًا من أصحابي، ولا أهل بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتي، فجزاکم الله جميعًا عني خيرًا…». ثم أدار وجهه نحو أولئک الأوغاد اللئام، فقال لهم: «تباً لکم أيتها الجماعة وترحًا، أعلی قتلي تجتمعون؟ أما والله لا تقتلون بعدي عبدًا من عباد الله، الله أسخط عليکم لقتله مني. وايم الله، إني لأرجو أن يکرمني الله بهوانکم ثم ينتقم لي منکم من حيث لا تشعرون…». وهکذا جری الأمر. فننتقل إلی عصرنا هذا حيث قال الأب طالقاني لأحد من أعضاء مجلس الرجعية المسمی بـ «مجلس الثورة» الخميني وذلک أمامي أنا، قال: «إذا کنتم تراعون حرمة حتی الآن فيعود سبب ذلک إلی أن هناک أسلحة بأيدي المجاهدين». والله بعدما انتهک خميني حرمة المجاهدين وأفتی بإهدار دماء المجاهدين وإباحة أموالهم وأعراضهم، فکان من الواضح أن خميني وملاليه وأفراد حرسه وأجهزته لن يتورعوا عن ارتکاب أية جريمة ورذيلة ودناءة. حقًا ما أشبه اليوم بالبارحة، ولکن هناک فرقًا أساسيًا سوف نوضحه لاحقًا. العام الهجري الجاري هو العام 1420 من الهجرة النبوية الشريفة وأما واقعة الطف فقد حدثت عام 61 الهجري.
لقد تطورت الأوضاع کثيرًا بمضي هذه السنين ولکن هناک وجوه شبه أو قواسم مشترکة من بعض الجوانب خاصة في ما يتعلق بالدجل والتضليل والمراوغة والتحايل وتحريف المفاهيم والقيم. فإن أساليب قوم يزيد کانت تشبه تمامًا بما يرتکبه الخمينيون اليوم.
 
دجل الخمينيين في استغلال اسم الحسين (ع)
 
إن الخمينيين الذين استغلوا وبکل خبث ودناءة ولصوصية تاريخية اسم الإمام الحسين (ع) واتخذوا منه أداة للوصول إلی السلطة وتأمين معيشتهم الدنيوية لعبروا بالتأکيد عن تقديرهم وشکرهم لقتلة الإمام الحسين (ع) علی ما قدموا لهم من الخدمات لو لا الحرج عليهم.
وقد روی ابن حبان حديثًا عن النبي (ص) بأنه: «إذا رأيتم معاوية علی منبري فاقتلوه». فحاول معاوية جاهدًا ليقنع الرأي العام بأن کلمة «فاقتلوه» في هذا الحديث النبوي خاطئة والصحيح هو «فاقبلوه» أي حاول شطب النقطتين علی التاء في الکلمة المذکورة.
کان هناک شخص يدعی ثمرة بن جندب وله نخلة في دار أحد جيرانه وکان قد جعل جاره يضيق ذرعًا بهذه النخلة. وکان قاضيًا لمدة من الزمن، کما کان لمدة ما حاکمًا للبصرة والکوفة، وأخيرًا صار متعاونًا مع ابن زياد. ويقول ابن أبي الحديد في «شرح نهج البلاغة» إن معاوية استدرج هذا الشخص إلی عقد صفقة معه، حيث قال له: «أعطيک مئة ألف درهم مقابل أن تروج أن عبارتي "ألد الخصام" و"يهلک الحرث والنسل" اللتين وردتا في القرآن نزلت في إشارة إلی علي بن أبي طالب»!! وسأل الرجل: «أهذا فقط وليس أکثر؟» فأجاب معاوية: «لا، بل هناک عرض آخر وهو أن تروج أن آية "ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله" نزل في حق ابن ملجم»!… نری أن القصة ذاتها مازالت مستمرة بعد معاوية أيضًا حيث إذا کان المجال مفسوحًا أمام حکام إيران فيقولون: إن الآية الأخيرة تشير إلی المسؤولين في نظامنا!. وأما ثمرة بن جندب فقال لمعاوية: «إن مبلغ 100 ألف درهم قليل مقابل کل هذه الأعمال»، فأخيرًا أقفلت الصفقة عند 400 ألف درهم بعد مساومة کثيرة. وها هي الخمينية تمثل هذه الأساليب. لقد أوردت في رسالتي التي وجهتها لمناسبة الذکری السنوية العشرين للثورة الإيرانية المضادة للملکية (11 شباط / فبراير الماضي) خطابًا کان خميني قد ألقاه يوم 25 حزيران (يونيو) عام 1980 ضد مجاهدي خلق وحول أحداث ملعب «الأمجدية» بطهران [تجمع خطابي أقيم بدعوة من مجاهدي خلق]. نتذکر جميعًا بأن خميني قال في ذلک الخطاب وبکل خبث ودناءة ودجل: «إن المجاهدين يعارضون الإسلام ويريد المجاهدون أن يعيدوا الحکم الملکي إلی إيران وإنهم يضرمون النار في بيادر المزارعين». ومن المعروف أن معاوية کان قد روج منذ عام 35 من الهجرة ولمدة أکثر من 60 عامًا وجوب سب الإمام علي (ع) ولعنه في کل مکان. وظلت هذه العادة الرائجة آنذاک معمولة بها حتی عام 99 من الهجرة أي عهد خلافة عمر بن عبد العزيز الذي ألغاها بعد توليه الخلافة. ولکن مر الزمن وتوالت العصور حتی تبينت للجميع بأحسن وجه حقيقة مواقف کل من الجانبين. هذا يخص ذلک العهد الذي لم تکن فيه الإذاعة ولا التلفزيون ولا الأقمار الصناعية ولا الصحافة ولا أية وسيلة أخری من وسائل الإعلام والارتباطات الموجودة في عصرنا هذا، ولکن شجرة التکامل الطبيعي والتاريخي وعلی مسار نموها وتطورها کانت تتطلب الحسين (ع) ليرويها بدمه الطاهر. السلام عليک يا ثار الله… أجل، کان تقدم قانون التکامل إلی الأمام يتطلب آنذاک التضحية بدم وثار إلهي ويقتضي بذل حياة من هو المتخلق بأخلاق الله. والمجاهدون اليوم قطرة من ذلک البحر وفرع من تلک الشجرة الطيبة وهذا هو سر کلام الحسين (ع) حيث قال: «کل حي سالک سبيلي…» أي من سلک سبيل الحسين ودرب الحسين المتمثل في التضحية والفداء بالنفس والنفيس يبقی حيًا واعدًا علی مر الزمن.
 
سلوک درب الحسين (ع) رمز بقاء مجاهدي خلق
 
والله لو لم يتخذ مجاهدو خلق من الإمام الحسين (ع) قائدًا وإمامًا ومقتدی تاريخيًا لهم لانهاروا وقضي عليهم بالتأکيد… نعم، إن بقاء مجاهدي خلق واستمرارهم في الحياة التنظيمية مرهونان بالإمام الحسين (ع) أي عليهم دين للإمام الحسين (ع) في بقائهم کمنظمة. نربط أنفسنا بعاشوراء الحسين من هنا وفي عصرنا هذا وبشهدائنا الخالدين بمد جسر عقائدي ثوري علی مر الزمن، صادحين: يا ليتنا کنا معکم فنفوز فوزًا عظيمًا. وکما قالت مريم: بأخواتنا المجاهدات نمد جسرًا يربطنا بزينب الکبری وفاطمة الزهراء عليهما السلام. ففي ذلک اليوم وبزينب الکبری ولدت المرأة الثورية المجاهدة باعتبارها هوية تاريخية ووجود تأريخي واليوم تکفينا سعادة التمتع بموهبة ورحمة خاصة اسمها مريم ومجلس القيادة المقدم من قبلها. إن ليلة عاشوراء أجدر وقت لأن نردد ونکرر جماعيًا کلمة «حاضر» (مستعد) مخاطبًا لسيد الشهداء وإمامنا العقائدي ومقتدانا التاريخي کالإمام الحسين (ع)، ونردد جماعيًا نص «زيارة عاشوراء» لنجدد العهد بذلک معه ومع أصحابه من أجل إسقاط شجرة خميني الخبيثة مما يجعل الحسين (ع) وأصحابه فرحين متألقين أکثر فأکثر. فإن شجرة خميني الخبيثة متمثلة في أولئک الغاصبين لحق الشعب الإيراني في السلطة أي الذين يشهرون الخناجر علی الإسلام باسم الإسلام ويشوهون القرآن باسم القرآن ويسرقون اسم الإمام الحسين (ع) ليتخذوا من الدين ثروة ورأس مال لدنياهم ومصالحهم الحقيرة والدنيئة.
 
رسالة من أمّ إيرانية إلی کربلاء
 
بين يدي رسالة من أم بابولية (من مدينة بابول شمالي إيران) قد تکون من أمهات الشهداء واسمها «کولباجي»، أقرأ عليکم نص الرسالة:
«عن لساني وعن لسان الشعب الإيراني قل، قل في ليلة عاشوراء، قل، قل في حضرة الإمام الحسين (ع) (الروضة الحسينية) ، قل علی أرض الحسين، قل واشرح الأوضاع التي يعيشها الشعب الإيراني، قل ذلک في حضرة الإمام الحسين (ع)، قل له إن هذه الرسالة بعثت بها إليک کولباجي. أنقذوا الشعب الإيراني بأي شکل وبأي ثمن کان. اطلب من الإمام الحسين (ع) أن يقطع أيدي الظلم والظالمين للشعب الإيراني. اطلب منه أن يساعد المجاهدين لينقذوا ويخلصوا الشعب الإيراني. إني أقول کل لحظة وأدعو الله سبحانه کل لحظة بأن اللهم ادفع هذا الظلم عن الشعب الإيراني. وأنت أيضًا قل هذا في الروضة الحسينية وأمام ضريح الإمام الحسين (ع) واطلب منه هذا أي دفع الظلم عن الشعب الإيراني».
قراءتان للإسلام متناقضتان تمامًا
فهناک قراءتان للإسلام متناقضتان تمامًا کل منهما عدو لدود للآخر واصطفتا وجهًا بوجه (بعضهما تجاه البعض الآخر) منذ يوم عاشوراء والمجابهة بين يزيد والحسين حتی المجابهة بين الداعين إلی «إقامة الحکم الديني» بقيادة الشيخ فضل الله من جهة ومجاهدي ثورة الدستور من جهة أخری خلال العشرينات وحتی الصراع بين خميني ومجاهدي خلق في العصر الحاضر. واليوم بات الصراع بين الطرفين علی وشک الحسم النهائي. وأما معلم الوفاء والولاء فهو أبو الفضل العباس (ع). ويميننا لتجديد عهدنا اليوم هي يمين الوفاء والولاء لشعبنا المکبل والأسير وللهدف السامي والدرب الخالد لإمامنا العقائدي سيد الشهداء الحسين بن علي عليه السلام. أجل، إن ابن آدم هو صارع ويصارع القوی العاتية والقوانين الجبرية العمياء ومن رموز هذا الصراع التاريخي هو الصراع بين الإمام الحسين من جهة وشمر ويزيد من جهة أخری والصراع بين المجاهدين من جهة والخمينيين من جهة أخری وهلم جرًا… ففي المعرکة بين الإنسان والقوانين الجبرية العمياء والعاتية کتب علی الإنسان النصر وهکذا کان وسيکون علی مر الزمن.
 
زيارة عاشوراء الحسين (ع)
 
فلذلک إن النص الذي نتلوه وهو «زيارة عاشوراء» يعتبر بالنسبة لنا ترنيمة لهذا النصر بأي مدی من الزمن وبأي ثمن کان. «زيارة عاشوراء» تبدأ کالمعتاد بالسلام. والسلام هو خلاصة الإسلام ورمزه وإشارة إلی الوحدة والتلاحم والخلوص والتوحيد والتعايش في السلم إلی الأبد ودليل علی أن الأصل في الکون هو الوحدة والتوحيد والتقدم والتکامل والسلم وليس الثنوية والشرک والکفر والرجعية والازدواجية والصراع. إن «زيارة عاشوراء» ليست دعاء وتضرعًا وابتهالاً ومناجاة بالخشوع والعرفان فحسب وإنما هي بيان ووثيقة عقائدية سياسية تفرز وترسم الحدود السياسية للشيعة وأتباع الحسين بن علي ومنهم مجاهدو خلق حيث يعلن قارئها تبريه من الظلمة وآل يزيد ومعاوية وأبو سفيان وخميني قائلاً: «إني أتبرأ منهم ومن أشياعهم وأتباعهم وأوليائهم». هذه هي عملية فرز الحدود أو رسم الحدود، الحدود الحمراء بين الحسين وأتباع الحسين من جهة ويزيد وخميني وأتباعهما في التاريخ من جهة أخری، ثم يصلي ويؤدي السلام والتحية لأولئک الذين التحقوا برکب سيد الشهداء وبقوا وقاتلوا فيه حتی النفس الأخير وبعد ذلک يلعن کل من التزم الصمت تجاه جريمة قتل الحسين وأصحابه ورضي بها وکل من تخاذل وتصالح وتسامح مع الظالمين المجرمين… إذًا فإن «زيارة عاشوراء» تتضمن بالنسبة لنا العقيدة والإيديولوجية وفي الوقت نفسه الدعاء والتضرع والابتهال إلی الله بقدر کونها أمتن وأتقن بيان سياسي وعسکري وأخلاقي وإنساني.
 

مختارات

احدث الأخبار والمقالات