728 x 90

صورة إيران الحديثة في برنامج مريم رجوي(2)

  • 8/18/2020
مريم رجوي الرئيسة المنتخبة من قبل المقاومة الإيرانية
مريم رجوي الرئيسة المنتخبة من قبل المقاومة الإيرانية

د. بهروز بويان، خبير في علوم سياسية من طهران

جرت مناقشات نظرية مكثفة لشرح المجتمع الحديث. وقدم العديد من الفلاسفة وعلماء الاجتماع وعلماء النفس تفسيرات مختلفة للتشكيلات الاجتماعية المتغيرة وانتقال المجتمع الغربي من العالم القدیم إلى عالم الحداثة.

تکمن أحد الجوانب الأساسية لمناقشة هذا الأمر في الجذور والسياقات الأساسية للتغيير والتي یمکن تحديدها. في هذا الصدد، تميل وجهات نظر الاقتصاديين إلى اعتبار تطور المجتمع من العلاقات التقليدية إلى العلاقات الحديثة كنتاج للتغيرات في أساليب وأدوات الإنتاج الاقتصادي.

من وجهة النظر هذه، فإن التغيير في علاقات الإنتاج الاقتصادي هو الذي يحدد التغيرات في العلاقات الاجتماعية والسياسية. تقترب وتبتعد وجهة نظر الاقتصاديين عن بعضها البعض بناءً على درجة تحديد العنصر الاقتصادي.

لکن وجهات النظر الأخری، تعتبر العلاقات الاجتماعية والثقافية حاسمة في تحدیث المجتمع وانتقاله من القديم إلى الجديد دون أن تتجاهل أهمية العلاقات الاقتصادية.

لا أعتزم مراجعة كل هذه الآراء هنا، ولكن هناك مبدأ أساسي يحكم كل هذه الآراء ووجهات النظر، وهو أن كل نظرية اجتماعية وسياسية هي نتاج دراسة وتقييم البيانات المتوفرة من المجتمع قید الدراسة، وبما أن أي مجتمع له تاريخ الخاص بخصائصه الفريدة، فإن أي من هذه النظريات والمنظورات لا يمكنه أن یفسر قواعد التطور في جميع المجتمعات بشكل كامل.

كان المقصود من هذا العرض الموجز القول إن وصف إيران بأنها حديثة، سواء منذ الفترة الدستورية فصاعداً، أو منذ ديكتاتورية رضا خان، أو منذ إنشاء نظام ولاية الفقيه الکهنوتي، ليس هراء ودعاية لنظامي بهلوي وولاية الفقيه فحسب، بل هو نتاج مواقف سطحية ومبتسرة وقراءة نمطية للنظريات الاجتماعية والسياسية.

علی سبیل المثال، یقع أولئك الذين يعتقدون بأن تشييد الطرق وعدد من المرافق خلال عهد بهلوي واستخدام مفردة "الجمهورية" وإنشاء مؤسسة مثل الرئاسة الجمهوریة في نظام ولاية الفقيه دلالة علی التطورات الحديثة في هذين النظامين، ضمن هذه الفئة.

هناك العديد من العناصر المشتركة في تحليل النظريات المطروحة حول كيفية تحديث المجتمع الغربي، بما في ذلك علمنة العلاقات (في جميع المجالات) وتغيير العلاقات السياسية القانونية. تعتمد حقيقة أن كل وجهة نظر تعتبر التطورات المستندة إلى هذه المؤشرات على أنها تحدد الأولويات وتحدد الهيكل الاقتصادي أو الديني أو الاجتماعي، على البيانات التي تم الحصول عليها من المجتمع قید الدراسة.

في حالة إيران، وبالنظر إلى أن الهيكل السياسي -على الأقل طیلة بضعة آلاف من السنين التي نعلمها تاريخياً- هو هيكل مغلق یحتکره هرم السلطة (سواء کان الشاه أو الولي الفقيه) الذي یعد مکانته هبة إلهیة غير تقليدية، ويحدد العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية إلى حد كبير، فإن أي تغيير في المجتمع الإيراني وانتقال هذا المجتمع من العالم القديم إلى عالم الحداثة، يخضع للتغيير في الهيكل السياسي بالخصائص المذكورة.

مع هذا التفسير، من الواضح أن الهيكل السياسي الإيراني بشکل عام –بغض النظر عن عناوینه المختلفة- لم يتغير بشكل ملحوظ من حيث المحتوى على مدى آلاف السنين الماضية.

ولهذا وفي ضوء هذا التعريف والتحدید، لم نشهد بعد هیکلاً سياسياً حديثاً في تاريخنا، ولأن البنية السياسية تحدد الهياكل والمجالات الأخری في المجتمع، فإن الهیکل السیاسي القدیم یقف حاجزاً منیعاً أمام العلاقات الحديثة على الرغم من رغبة المجتمع القوية في التغيير. وتستمد الثورة الجديدة للشعب الإيراني ضرورتها التاريخية من هذه النقطة.

برنامج مريم رجوي المكون من 10 مواد باعتباره بيان الثورة الجديدة هو خطة ذكية للغاية تحدد هذه العقبات التاريخية بشکل دقیق، وتقترح بدائل جدیدة لها، وتعرض لأول مرة صورة إیران الحدیثة في تاريخ بلدنا.

تعد المادة الأولى من برنامج السیدة مريم رجوي بإقامة جمهورية ديمقراطية قائمة علی صنادیق الاقتراع.

قيل أنه في الوثيقة الدستورية، كانت رغبة الثوار وتطلعاتهم تتمثل في كسر الاحتكار الكامل للسلطة من قبل الشاه وتقیید سلطته والحد منها من أجل فتح الطريق أمام الناس لدخول ساحة المشاركة السياسية، ولكن محاولات تقیید سلطة الشاه كانت لا تزال بعیدة عن هدف تقویض احتكار السلطة في يد مسؤول واحد بشکل کامل وإقامة نظام ديمقراطي متكامل الأبعاد ولم تستطع التغلب علی العقبات التاريخية للسلطوية، وسرعان ما تم دفن الوثيقة الدستورية مع ظهور دیكتاتورية رضا خان.

لكن المادة الأولى من البرنامج السیدة رجوي تنص بوضوح على الخطوة التي کان من المفترض اتخاذها بعد الدستوریة لدخول إیران في عالم الحداثة، وفي هذه المادة يتم التخطيط أولاً لأساسیات إيران الحديثة.

تشير المادة الثانية من البرنامج والتي تکمل المادة الأولى وتشرح في الواقع تفاصيل الخطة العامة المقدمة في المادة الأولى، إلى إنشاء نظام تعددي مع التقيد التام بجميع أنواع الحريات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية والتي تعتبر التفاصيل غير المشروطة لإقامة جمهورية ديمقراطية.

وتشدد المادة الثالثة من البرنامج على إلغاء عقوبة الإعدام. يمكن القول إن هذه المادة هي خطة تقدمية وجريئة للغاية لدرجة أن بعض دول العالم لم تتمكن بعد من خوض هذا المجال. حتى بعض الدول الحديثة التي لا تطبق عقوبة الإعدام لم تستطع إلغاء هذه العقوبة من قانونها.

في الدفاع عن هذه المادة، أقول بحزم أن تحقيق هذه الرؤية هو بلا شك نتاج موقف تقدمي وإنساني للغاية في تاريخ البشرية. بطبيعة الحال، فإن مثل هذا الرأي له مبررات قانونية واجتماعية قوية، وليس مجرد شعار فارغ.

تدافع المادة الرابعة عن فصل الدين عن الدولة. كما قلت، فإن علمنة هياكل ومؤسسات المجتمع هي سمة بارزة من سمات العصر الحديث. لکن الهیکل السیاسي الإیراني، لم يقترب من هذه الميزة قط علی مدی التاریخ.

ففي النظام الملكي، اعتبرت الملكية هبة إلهية وهبت للملك (الشاه) دون غیره، وجاء ذلك بوضوح في الدستور. وفي نظام ولاية الفقيه، إن منصب الولي الفقيه يعتبر غير ديمقراطي لكن الولي الفقیه یدّعي مثل أقرانه الملوك بأنه هبة إلهیة وهبها الله للولي الفقیه دون سواه. لذلك، فإن خطة فصل الدين عن الدولة وعلمنة الهيكل السياسي هي في الواقع واحدة من ميزات العالم الحديث، والتي تم ذكرها صراحة في المادة الرابعة من برنامج مريم رجوي.

يتبع

ذات صلة: