728 x 90

إيران..عجز الموازنة، سیناریو خاص معدّ مسبقاً بمشاهد عدیدة!

موازنة العام الإیراني الجدید
موازنة العام الإیراني الجدید

في 8 ديسمبر 2019، قدّم المعمّم روحاني مشروع موازنة عام 1399 هـ.ش (2020) إلى مجلس شوری الملالي. وحمل غلاف المشروع حدیثاً من الإمام علي علیه السلام قال فیه: «حُسنُ التَّدبیرِ یُنمي قَلیلَ المال، وسوءُ التَّدبیرِ یُفني کَثیرَه»، وبهذه الخطوة المحتالة الدالة علی المتاجرة بالدین، بدأ روحاني سيناريوه الخاص المعدّ مسبقاً بمشاهده العدیدة.

المشهد الأول: تبرير مسرحية الموازنة

کل من هو ملمّ بالمشاکل الاقتصادیة في إیران أو یعرفها معرفة متواضعة، علم أنّ موازنة العام الإیراني الجدید التي أعلن عنها روحاني، عقيمة وتعتریها أخطاء فادحة جمّة ویشوبها الخداع والاحتيال من أولها إلی آخرها، بدءاً من غلافها والاقتباس المذکور علیه وصولاً إلی جداولها الختامیة.

في مسودة الموازنة هذه، بلغت ميزانية العام الجدید 1988 ألف مليار تومان، و​​الموازنة العامة للحكومة 484 ألف مليار تومان، بینما بلغت ​​ميزانية الشركات 1483 ألف مليار تومان.

وتوقّع المشروع أنّ عائدات النفط ستصل إلی 50 ألف مليار تومان، وعائدات بيع ونقل الممتلكات الحكومية إلی أکثر من 40 ألف مليار تومان أو 50 ألف مليار تومان في ظل القفزة المتوقعة التي ستحققها. کما توقّع أنّ عائدات تحويل الأصول المالية الحكومية ستصل إلى 124 ألف مليار تومان.

وبهذا يبلغ إجمالي الموارد العامة للحكومة 484 ألف مليار تومان بالإضافة إلى الإيرادات الضريبية والإيرادات الأخرى حسب مشروع الموازنة الجدید.

هذا وقد تم التأكيد على عائدات صادرات النفط والغاز ومشتقاتهما الأخرى أدنی مسودة المشروع، بحیث إذا لم يتمّ توفير هذه الإيرادات، يُسمح للحكومة بالتعويض من احتياطي النقد الأجنبي. بعبارة أخرى یُسمح للحکومة بالتعویض من نفقات مشاريع البناء کخطوة أولى!

المشهد الثاني: إصلاح الموازنة في الشهر الثاني

«لكن لم یمضِ شهران بعد علی تطبيق مشروع الموازنة حتی أعلن کبار المسؤولين الحكوميين عن أنّ ميزانية عام 1399 في طريقها إلى التغيير والإصلاح، وقال المتحدث باسم الحكومة ،ربيعي، في بيان أنّ الحکومة ستجري بعض التغييرات لتغطية العجز في موازنة هذا العام.

وعلى أي حال، فقد أثيرت إمكانية حدوث فشل في الإيرادات المتوقعة للحكومة في مشروع الموازنة المقدّم في ديسمبر من العام الماضي، وقد حذّر الخبراء من هذا الموضوع لکن لم يتمّ تعديله فحسب بل كان مصحوباً بالنمو» (وکالة إیسنا، 15 مایو 2020).

يعلم الجميع أنّ الموازنة في إيران لطالما كانت غير واقعية بشكل عام من حيث الإيرادات وارتفاع النفقات بشکل متزاید، ولطالما تعرّضت للتلاعب والتغییرات أو ما يُسمّى بالإصلاحات.

ففي العام الماضي مثلاً، اضطرّت حكومة روحاني إلى الحصول على ترخيص لسحب 40 ألف مليار تومان من صندوق التنمية الوطنية وإصدار سندات في قطاع تحويل الأصول المالية أكثر مما ذکر في الميزانية المعتمدة. وفي هذا العام أعدّ روحاني مخططات وبنی أحلاماً أخرى علی هذا الصعید.

المشهد الثالث: رسم خريطة فالق عجز موازنة عام 99 هـ.ش

وفقًا لـ تقریر موقع "اقتصاد نیوز" الحکومي (11 مايو 2020)، أعدّ مركز أبحاث المجلس تقریراً صمّم فیه كيفية التعامل مع عجز الموازنة الحكومية لعام 1399. في هذا الصدد كتب الموقع:

«العقوبات، الانخفاض الحادّ في العائدات النفطیة، الفيضانات الواسعة، تفشّي فيروس کورونا، وهبوط أسعار النفط، كلها سارت جنباً إلى جنب لإبقاء ميزانية الحكومة بعيدة عن الأرقام المتوقعة».

وبحسب التقرير، يعتقد خبراء مركز الأبحاث:

«أنّ الإصرار على الإصلاح الهيكلي الشکلي دون النظر إلى متطلبات السياسة لن ينجح في هذه الأوضاع، وفي الممارسة العملية سيواجه عقبات خطيرة نتیجة لأفعال أصحاب المصلحة الآخرين، وسوف ينتهي به المطاف إلی سلسلة من المشاكل الأخرى إلی جانب الفشل».

توضح الجملة الأخيرة من تقرير مركز الأبحاث جذور هذا النوع من البحوث:

«أفعال أصحاب المصلحة الآخرين (؟!) وسلسلة من المشاكل الأخرى (؟!). هذا يعني أننا إذا تأخرنا سنواجه أفعال اللاعبين الآخرين وهم الناس المتمردون والمستاءون والغاضبون الذین سيخلقون سلسلة من المشاكل لنظام ولاية الفقيه ».

يذكر التقرير 14 مساراً لتغطیة عجز الموازنة، لكل منها مخاطره وتكاليفه الخاصة. منها «زيادة معدل ضريبة القيمة المضافة، و زيادة الضريبة على فوائد الودائع المصرفية للكيانات القانونية، وزیادة ضريبة أرباح الأسهم، وبناء القدرات لخلق الدين، وتحويل الأسهم، وإلغاء أو تخفيض العملة بسعر 4200 تومان».

وأوصی التقرير، الحكومة الملمّة بأسالیب الشعوذة والدجل، أن لا تکفي بخدعة واحدة، بل علیها أن تجرّب خدعاً وحیلاً مختلفة! قائلاً:

«يوصي الخبراء في مركز الأبحاث بأنّ لا تقتصر الحكومة على أداة واحدة وأن تختار عدة أدوات من صندوق أدوات تغطية عجز الموازنة. لأنه بمساعدة صندوق الأدوات هذا، يمكن لصانع القرار أن يدرك التكاليف الاقتصادية والسياسية والمخاطر المستقبلية للإجراءات وأن یتّخذ القرار برؤية أكثر وضوحاً» (المصدر نفسه).

عجز الموازنة والتضخّم یقصمان الظهر

في أبريل من هذا العام، أعلن مركز إحصاء نظام الملالي أنّ معدل التضخّم کان 32 في المائة فقط وفي ظل التفشّي الکارثي لفیروس كورونا ، وهو أقلّ بنسبة 2٪ عن العام الماضي! ومع ذلك، ارتفع معدل التضخّم الشهري للأغذية والمشروبات والتبغ بنسبة 5٪ مقارنة بالشهر السابق.

لكن بالنسبة لنظام الملالي، فإنّ عجز الموازنة الحالي المقدّر بـ 130.000 مليار تومان هو السبب الرئيسي للقلق، وكالعادة، فإنّ تعويضه يرجع إلى تدخّل البنك المركزي وأمر دار طباعته لإصدار مزيد من العملة الورقیة الملوّنة. أما نمو القاعدة النقدية وزيادة السيولة التي تشهد نمواً سنوياً يزيد عن نسبة 25٪، فهو قضية ثانوية!

المشهد الرابع: مزاد حكومي كبير

بعد إصدار البنك المركزي للأوراق النقدية التضخمية وغير المدعومة، فإنّ الخطوة التالية للنظام الملالي تتمثّل في عرض السندات الحكومية في مزاد کبیر للسوق المصرفي. وقد أعلن البنك المركزي أنه يخطط لإنشاء سوق أولي للسندات الحكومية في السوق المصرفي.

ووفقاً للاتفاق الذي تمّ التوصل إليه في المجلس الأعلى للتنسيق الاقتصادي، يُسمح للحكومة ببيع 150.000 مليار تومان من السندات في هذا العام (بما یزید عن سندات الميزانية)، والتي بالإضافة إلى السوق المصرفي، ستشمل أيضاً العرض في سوق رأس المال. من خلال هذه السياسة، يعتزم البنك المركزي استخدام فائض الموارد البنكیة في شكل سندات لتغطية العجز في الميزانية الحكومية.

المشهد قبل الأخير: إفلاس عضال

بعد انتفاضة نوفمبر 2019 الناریة واستشهاد المئات من الشباب الإيرانيين الثوار، تلقّى نظام ولاية الفقيه ضربات قاصمة متتالیة أدّت إلى ارتفاع عجز الميزانية منها: الانخفاض العالمي لأسعار النفط بسبب أزمة كورونا، وتوقّف الطلب علی النفط الإيراني بسبب العقوبات ، وعدم تحقيق الإيرادات الضريبية، وانخفاض أسعار البتروكيماويات والمعادن.

والآن جاء دور بيع السندات علی أمل أن یکون سبیلاً للخروج من الأزمات والانتفاضات عشية انتهاء فترة حكومة المعمّم روحاني. لكن غضب الجياع والمحرومين وجيش العاطلين عن العمل لن يمنح مصممي المسرحیات المخادعة فرصة بعد الآن.