Site icon منظمة مجاهدي خلق الإيرانية

انتفاضة إيران… حين يأتي الأوان

انتفاضة إيران... حين يأتي الأوان

الشرق الاوسط
7/1/2018


بقلم: عبدالله بن بجاد العتيبي
کاتب سعودي مهتم بالشّؤون السّياسيّة والثّقافيّة، وباحث في الحرکات والتّيارات الإسلاميّة


 

انتفاضة إيران تنتشر ولا تتقلص، تتوسع ولا تضيق، تقوی ولا تضعف، وکأن الجميع في لحظة انتظارٍ، فالمرشد الإيراني الأعلی يتحدث عن أنه سيتحرک «عندما يحين الأوان» والرئيس الأميرکي الرافض لکل سياسات سلفه أوباما تحدث أيضاً عن أن الشعب الإيراني سيحظی بدعمٍ أميرکي عظيمٍ «حين يحين الأوان».
وقد تحدثت ترکيا بدعمٍ صريحٍ للنظام الإيراني ضد شعبه، وقدمت قطر دعماً مادياً کبيراً للنظام ضد الشعب، وقد اتخذت فرنسا خطواتٍ لتفادي دعم النظام، وعبرت بعض الدول الأوروبية عن مواقف تنفي عن نفسها دعم النظام، وقد اضطرت بعض وسائل الإعلام الغربية إلی الانحياز إلی الشعب الإيراني بعد فترة انتظارٍ لعدة أيامٍ، ما يوحي بأن الکثيرين قد اختاروا الانتظار لرؤية ما سيحدث، ولمعرفة التطورات التي ستجري، والمواقف تتطور بتطور الأحداث.
بعيداً عن المقارنات بين 2009 و2018 فإن النظام الإيراني يخالف کل التطور الدولي الذي يشهده العالم، ويبدو نشازاً في الحراک الحضاري والتاريخي للبشرية، ويبدو غريباً عن المنطق الطبيعي لتطور الدول، ودون استحضارٍ لدرجة تنوع الشعب مقارنة بوحدة النظام، فإن النظام الإيراني أمام لحظة تاريخية يجب عليه فيها اتخاذ القرار الصحيح، وهو في الحقيقة عاجزٌ عن ذلک بحکم طبيعته.
دون شکٍ، سيلجأ النظام الإيراني لأسلوب القمع وتعزيزه وکثافته والتجديد في أساليبه وطرقه، والتفنن في القضاء علی الشعب وتدميره، فهذا ما أنقذ النظام طوال تاريخه، وسيلجأ إلی کافة الحيل التي تجعل من معارضيه معارضين للدين والإسلام والتشيع، ولکنه ينتظر، ليعرف حجم «المؤامرة» کما يسميها، وليعيد حساباته، بين الدعم السخي لکل حرکات الأصولية والإرهاب، والميليشيات التي حاول بها فرض الهيمنة والنفوذ الإقليمي وبين الإفقار الدائم للشعب الإيراني، وطمس کل هوياته وأعراقه ومذاهبه، وأيضاً، ينتظر لمعرفة مدی قوته في الداخل وسيطرته علی کل مناطقه ومحافظاته ومدنه وأريافه، ولکنه ينتظر.
ثمة صامتٌ کبيرٌ فيما يجري، هو دول الاعتدال العربي التي تقودها المملکة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وجمهورية مصر العربية وحلفاؤها من الدول العربية ودول المنطقة، وهو صمتٌ يمنع أي افتراء قد يلجأ إليه النظام الإيراني باتهام شعبه بأنه يتم تحريکه من الخارج ضد الدولة الإيرانية، وفي الواقع أن أحداً لا يتآمر علی النظام الإيراني أکثر مما يفعله هو ضد نفسه، فالآيديولوجيا لا تطعم خبزاً والشعارات لا تؤمن مسکناً والمزايدات لا توفر أي شکلٍ من أشکال الحياة الکريمة.
حصاد ما يقارب العقود الأربعة من استحواذ نظام الملالي علی السلطة في إيران يحکي انحداراً متصلاً علی کافة المستويات فيما يتعلق بالاقتصاد والتنمية والبنی التحتية والخدمات المقدمة للمواطن، فتفشی الفقر والمرض والجوع والأمية والتخلف، وفتکت هذه الأوبئة بالشعب الإيراني، فالنظام الشاخص البصر إلی الأفق البعيد ينتظر مخلصاً من نوعٍ ما لا يبصر أنه يدهس مواطنيه بأحذية أنظمته الأمنية والعسکرية، من حرسٍ ثوري إلی باسيج، ومن مخابراتٍ إلی عشرات التسميات للميليشيات التي يسلطها علی الشعب، والتي زاد منها وطورها بعد 2009.
في حال أصر الشعب الإيراني علی انتفاضته، وتجاوزت دول العالم والمؤسسات الدولية عقدة الانتظار، وأقدمت علی تقديم دعمٍ حقيقي للشعب، وتراکمت کل العناصر المطلوبة لإنهاء هذا النظام الديکتاتوري الأصولي الإرهابي فإن هذا سيکون أضخم الأحداث التي شهدها القرن الواحد والعشرون، لأنه سيشکل بداية حقيقية لإنهاء الصراع الآيديولوجي کمرکزٍ للصراع الدولي، بأصولية هذا الصراع وإرهابه ومفاهيمه وحرکاته وميليشياته، وإخراجها من المعادلات الإقليمية والدولية.
مثل سقوط هتلر، فسقوط نظام الملالي في إيران سيکون خيراً کبيراً للبشرية، ولحظة سقوطه ستکون من أنصع أوراق التاريخ المعاصر بياضاً وأکثرها إشراقاً، فأربعون عاماً من الشر المستطير الذي کان ينشره ويرعاه ويدعمه ويخطط له، ستنتهي تحت مطالب الشعب الإيراني نفسه بالحق والعدل والعيش الکريم، وستتهاوی بعده حرکاتٌ وتنظيماتٌ حول العالم أجمع وليس في المنطقة وحسب.
أسعد الدول بهذه الانتفاضة هي الدول التي لطالما تبجح النظام الإيراني بأن ميليشياته تحکمها وأنها تشکل أوهام توسعه وأحلام بسط نفوذه في المنطقة، وعلی رأسها الدول العربية الأربع الأکثر تضرراً؛ العراق وسوريا ولبنان واليمن، مع قطاع غزة، حيث رأت شعوب تلک الدول الويلات إثر الويلات من دموية وعنف ميليشياته وجماعاته الشيعية والسنية التي صبها عليهم.
دون انسياق خلف آمالٍ لم تنضج بعد، ودون أي تقليلٍ من شأن انتفاضة الشعب الإيراني، إلا أن مجرد تصورٍ سريعٍ لبعض الآثار الجانبية لنجاح هذه الانتفاضة فإن حزب الله اللبناني – علی سبيل المثال – محترف القتل وممتهن العنف وناشر الطائفية ومدرب الإرهاب وتاجر المخدرات و«شبيح» إيران الأول في المنطقة سيجد نفسه عارياً في الداخل اللبناني فضلاً عن أدواره الأخری في المنطقة، وميليشيات الحوثي ستنهار انهياراً لا قيام لها بعده، والميليشيات التي تقتل الأطفال والعجائز في العراق وسوريا ستنکسر، وستتنفس هذه الشعوب العربية الصعداء وتنعتق من تلک الميليشيات، وستستطيع الدولة استعادة سيادتها وفرض هيبتها داخل حدودها، فهل بعد کل هذا الخير من خير.
کل نجاح لانتفاضة إيران يسبب ضعفاً في قوة النظام، ذلک أنها تضرب قوة النظام في عقر داره، وفي مرکز حکمه وفي دولته الأصلية، فيضطر مجبراً للانسحاب من کل مغامراته غير المحسوبة في المنطقة، ويتخلی ذليلاً عن کل أوهام التوسع وبسط النفوذ، وتسقط فکرته الآيديولوجية الکبری.
«استقرار الفوضی» کان استراتيجية إيرانية بالغة التأثير وبخاصة بعد الربيع الأصولي في بعض الدول العربية، وسقوط المفهوم وفشل الاستراتيجية هو نجاحٌ للنموذج المقابل وهو «استقرار الدولة» الذي تمثله الدول العربية القائدة لمحور الاعتدال في السعودية والإمارات والبحرين ومصر والأردن والمغرب وغيرها.
تأذت دول الخليج طويلاً من إرهاب النظام الإيراني وخلاياه في هذه الدول، إن خلايا الإرهاب السنية والشيعية وإن خلايا التجسس، وبالذات في البحرين والسعودية والکويت، ذلک أن هذا النظام کان يسرق لقمة العيش من أفواه شعبه ويدفع ثمنها لکل مرتزقة العالم للإضرار بدول الخليج والدول العربية والعالم أجمع.
أخيراً، لا أحسب أن يختلف اثنان علی أن سقوط هذا النظام يمثل مصلحة کبری للبشرية وأن أي أضرارٍ ناجمة عن سقوطه هي أضرار يمکن احتواؤها وهي بالتأکيد أقل کلفة من بقائه واستمراره
Exit mobile version