واقع الأجور في إيران وتأثيره على معيشة العمال
تعكس الأوضاع الراهنة للقوى العاملة والأجور في إيران صورة واضحة عن الانهيار الاقتصادي. فقد أدت بنية نظام ولاية الفقيه إلى إدخال اقتصاد البلاد في أزمات عميقة ومزمنة. ويعد التضخم المنفلت نتيجة مباشرة للعجز المستمر في الموازنة الحكومية، فيما يسهم فساد المؤسسات الحاكمة والسياسات الخارجية الباهظة التكلفة في تفاقم هذا التضخم.
وفي ظل هذه البنية غير المتكافئة، تشكل الطبقة العاملة الضحية الأكبر للأوضاع القائمة، حيث يجري توزيع الثروة الوطنية بصورة غير عادلة، مما يؤدي إلى اتساع الفجوة يوما بعد يوم بين الأجور التي يتقاضاها العمال والتكاليف الحقيقية للمعيشة.
ولا يمثل هذا الفقر الواسع نتيجة لحدث عارض أو مصادفة، بل هو حصيلة سياسات متعمدة تخدم مصالح الأوليغارشية المرتبطة بالسلطة؛ وهي سياسات تقدم بقاء النظام على رفاه العمال وأمنهم المعيشي.
الفجوة التاريخية بين خط الفقر والأجور الحقيقية
يعد التناسب بين الحد الأدنى لدخل القوى العاملة وتكلفة سلة المعيشة، وفقا للمادة 41 من قانون العمل الإيراني، أهم معيار لقياس خط الفقر.
وتشير تقديرات مستقلة، إلى جانب بيانات متفرقة صادرة عن مصادر رسمية، إلى أن خط الفقر وتكلفة سلة المعيشة للأسرة في المدن الكبرى، مثل طهران، تجاوزا مستوى يتراوح بين 50 و70 مليون تومان شهريا [1، 2، 3].
وفي المقابل، لا يكاد إجمالي الدخل الشهري للعامل العادي، بعد احتساب مخصصات السلع الأساسية والسكن والإعالة العائلية، يصل إلى 20 مليون تومان [1،
وتعني هذه الفجوة الهائلة أن الحد الأدنى للأجور المعتمد لا يغطي، في أحسن الأحوال، سوى أقل من 30% من الاحتياجات الأساسية لأسرة يبلغ متوسط عدد أفرادها 3.3 أشخاص.
وفي الواقع، لا يصل أجر العامل الإيراني إلى المستوى اللازم لإعادة إنتاج قوة العمل، بل يؤدي باستمرار إلى ظاهرة «البؤس الناجم عن تدني الأجور»، أو ما يعرف بظاهرة «الفقراء العاملين»، وهم الأشخاص الذين يظلون عالقين في فخ الفقر المدقع رغم عملهم بدوام كامل.
كما تراجعت القيمة الدولارية لأجور العمال، نتيجة الانخفاض المستمر في قيمة الريال الإيراني، إلى واحد من أدنى المستويات في الشرق الأوسط والعالم.
طبيعة المجلس الأعلى للعمل في إيران
بموجب المادة 41 من قانون العمل الإيراني، تقع مسؤولية تحديد الأجور على عاتق «المجلس الأعلى للعمل»، الذي يفترض ظاهريا أن يجسد نموذج التمثيل الثلاثي للأطراف المعنية، أي العمال وأصحاب العمل والحكومة.
لكن هذا المجلس تحول عمليا إلى أداة لفرض إرادة السلطة بصورة أحادية.
فالحكومة في إيران تعد أكبر صاحب عمل احتكاري، وفي الوقت نفسه تتولى حماية مصالح الشركات القابضة والمؤسسات الاقتصادية شبه الحكومية.
ومن جهة أخرى، تعرضت التنظيمات العمالية المستقلة للقمع، فيما يواجه الناشطون العماليون المستقلون أحكاما قضائية قاسية والسجن.
أما ممثلو العمال المشاركون في المجلس الأعلى للعمل، فينتمون إلى مؤسسات شبه حكومية، مثل ما يسمى «مجالس العمل الإسلامية»، التي تفتقر إلى أي قدرة حقيقية على المساومة الجماعية، أو الحق القانوني في الإضراب، أو الاستقلال النقابي.
وتتمثل نتيجة هذه البنية في إقرار مستويات للأجور سنويا تقل كثيرا عن معدلات التضخم الحقيقية المعلنة [2.
ضريبة التضخم وتحميل العمال تكاليف الأزمات الاقتصادية
يلجأ نظام ولاية الفقيه، لتعويض العجز الهائل في موازناته، إلى التوسع في طباعة النقود والزيادة المفرطة في السيولة النقدية، وهي ظاهرة تؤدي مباشرة إلى ما يعرف بـ«ضريبة التضخم».
وتتمثل طبيعة هذه الضريبة في انتزاع الثروة من أصحاب الدخول الثابتة، وفي مقدمتهم العمال والموظفون، ونقلها إلى القطاعات المضاربة والمستفيدين من الريع المرتبط بالعملات الأجنبية والمؤسسات فوق الحكومية المتصلة بمراكز القوة الأساسية في السلطة.
وفي مثل هذه الظروف، غالبا ما تكون معدلات التضخم الفعلية للمواد الغذائية والسكن أعلى بكثير من متوسط معدل التضخم العام.
وقد أدى ذلك إلى اضطرار الأسر التي تعتمد على الأجور إلى حذف البروتينات ومنتجات الألبان وغيرها من المواد الغذائية الأساسية من موائدها .
أما السكن، الذي يستحوذ على أكثر من 60 إلى 70% من دخل الأسرة، فقد دفع العمال إلى التوسع في السكن بالمناطق الهامشية والتجمعات السكنية غير الرسمية.
وهكذا، لم تعد أزمة الأجور تقتصر على ضعف الدخل النقدي، بل امتدت إلى تهديد الأمن الغذائي والاستقرار السكني والقدرة على تأمين الاحتياجات الأساسية للحياة.
هيمنة المؤسسات الريعية على مفاصل الاقتصاد
إن أزمة الأجور الراهنة في إيران ليست مجرد خلل فني في مجال اقتصاد العمل، بل هي نتيجة مباشرة للبنية السياسية المغلقة، وقمع الحريات الديمقراطية، وهيمنة المؤسسات الاقتصادية الريعية على مفاصل الاقتصاد.
وفي غياب التنظيمات النقابية الحرة والمستقلة، لن يكون أي قرار يتعلق بالأجور سوى محاولة للبقاء في قاع خط الفقر
ولا يمكن إنقاذ الطبقة العاملة واستعادة الكرامة الاقتصادية لأصحاب الأجور من دون إسقاط علاقات الهيمنة القائمة، والانتقال من الاقتصاد الريعي الأمني الحالي، وإقامة جمهورية ديمقراطية تستند إلى إرادة الشعب وتضع مصالحه في مقدمة أولوياتها.
الهوامش والمصادر
1. وكالة «خبر أونلاين» (خبرآنلاین)، «خط الفقر تجاوز 70 مليون تومان / خرمي: أجر العامل أقل من 20 مليون تومان»، 13 سبتمبر/أيلول 2026 (22 شهريور 1405).
2. وكالة «مهر» للأنباء، «خط الفقر النسبي يبلغ 60 مليون تومان فما فوق؛ معيار تحديد الأجور»، 28 فبراير/شباط 2026 (9 إسفند 1404).
3. موقع «دنياي اقتصاد»، «سلة المعيشة تجاوزت 50 مليون تومان / هل ستتم مراجعة أجور العمال؟»، 6 أكتوبر/تشرين الأول 2026 (14 مهر 1405).
- واقع الأجور في إيران وتأثيره على معيشة العمال

- اعترافات بزشكيان تفضح رعب الولي الفقيه: النظام الإيراني يخشى بركان الغضب الداخلي أكثر من صواريخ الحرب
- فصول اليأس في إيران: كيف يتحول الانهيار التعليمي والتمييز الطبقي إلى ساحة جديدة لمعركة الحرية؟
- الحد الأدنى للأجور في إيران لا يغطي 30% من تكاليف المعيشة
- صحيفة شرق: 35% من الأطباء العامين في إيران تركوا ممارسة الطب واضطر بعضهم إلى العمل سائقي أجرة
- 48% من دخل الفقراء لضمان سقف متهالك: «مافيات النهب المنظم» تطرد ملايين الإيرانيين إلى هوامش البؤس
