فصول اليأس في إيران: كيف يتحول الانهيار التعليمي والتمييز الطبقي إلى ساحة جديدة لمعركة الحرية؟
في مقال تحليلي نشره موقع «تاون هول»الأمريكي، أكد السياسي الاسكتلندي وعضو البرلمان الأوروبي السابق، ستروان ستيفنسون، أن الكارثة التعليمية المتفاقمة في إيران مع انطلاق العام الدراسي 2026 تكشف عن مأساة إنسانية واجتماعية تفوق بكثير أزمات التعليم في الدول الغربية مثل فرنسا؛ مشيراً إلى أن ملايين العائلات الإيرانية باتت تعيش تحت وطأة فقر مدقع يجبرها على المفاضلة المستحيلة بين توفير الغذاء لأطفالها أو شراء الدفاتر المدرسية. وشدد ستيفنسون على أن قاعات الدراسة المحاصرة باليأس، والتمييز الطبقي الفاحش، والتغول الأمني، تتحول تدريجياً إلى أرضية خصبة لانتفاضة شعبية جديدة وساحة مفتوحة لمعركة انتزاع الحرية.
الفصل الطبقي الفاحش وتكاليف التعليم الباهظة
استعرض الكاتب التناقض الصارخ بين الوعود الدستورية والواقع المعاش؛ فبينما ينص الدستور على مجانية التعليم، تحول التحاق نحو 16.5 مليون طفل بالمدارس—بينهم أكثر من 1.15 مليون تلميذ يدخلون المرحلة الابتدائية لأول مرة—إلى عبء مالي كارثي. وأوضح أن تكلفة الحقيبة المدرسية الأساسية باتت تتراوح بين 30 مليوناً (15 دولاراً) و170 مليون ريال (85 دولاراً)، في حين تضاعف سعر الدفتر العادي بأكثر من 100% خلال عام واحد ليصل إلى 1.8 مليون ريال، في بلد يرزح معظم سكانه البالغ عددهم 90 مليون نسمة تحت خط الفقر العالمي المحدد بـ 2.15 دولار يومياً.
وفضح المقال تفشي ظاهرة الابتزاز المالي وفرض الرسوم الإجبارية داخل المدارس الحكومية، مستشهداً بتقارير إعلامية نشرتها وكالة «تسنيم» التابعة للنظام حول إجبار الآباء في مدن مثل كاشان على دفع مبالغ تصل إلى 120 مليون ريال لتسجيل أبنائهم. وفي المقابل، أشار ستيفنسون إلى الرفاهية المطلقة التي تتمتع بها عائلات قادة الحرس الإيراني وكبار الملالي المتنفذين؛ حيث تصل الأقساط السنوية في المدارس الخاصة المخصصة لأبنائهم إلى أكثر من 2.2 مليار ريال دون احتساب تكاليف النقل والوجبات، مما رسخ تمييزاً تعليمياً وطبقياً فاحشاً يجعل الثروة والنفوذ هما المحدد الوحيد لمستقبل الطلاب.
تسرب دراسي قياسي وملايين الأطفال في سوق العمل
كشف التحليل عن التداعيات الاجتماعية المروعة لهذا الانهيار المعيشي، مستنداً إلى البيانات الرسمية الصادرة في سبتمبر/أيلول الماضي التي وثقت حرمان 141,837 طفلاً في سن الابتدائية من دخول المدارس، إلى جانب نحو مليون تلميذ تسربوا من مقاعد الدراسة في العام السابق.
وأبرز ستيفنسون التقديرات التي طُرحت في مؤتمر رسمي بطهران في يونيو/حزيران الماضي، والتي كشفت عن وجود نحو مليوني طفل عامل في إيران. وأكد أن هؤلاء الأطفال، الذين كان ينبغي أن يتلقوا تعليمهم في الرياضيات والعلوم والأدب، أُجبروا على النزول إلى الشوارع والأعمال الشاقة لإنقاذ عائلاتهم من الجوع، في وقت تحول فيه التعليم من حق إنساني أصيل إلى امتياز نخبوي باهظ الثمن.
عجز حاد في المعلمين وانفجار الاحتجاجات الميدانية
تطرق المقال إلى الشلل الهيكلي الذي يضرب المنظومة التعليمية، لافتاً إلى اعتراف وزير التعليم في حكومة النظام بوجود نقص حاد يناهز 90 ألف معلم مع بداية العام، فيما تؤكد النقابات والروابط المستقلة للمعلمين أن العجز الفعلي يتراوح بين 100 ألف و130 ألف معلم. واعتبر أن لجوء السلطات إلى حلول ترقيعية عبر فرض ملايين ساعات العمل الإضافية والاستعانة بالمتقاعدين لن يحل أزمة الفصول المكتظة وتدني معايير التعليم، فضلاً عن استمرار الضغوط المعيشية والملاحقات الأمنية بحق المعلمين المطالبين برفع الأجور والكرامة المهنية.
وأوضح الكاتب أن هذا الاحتقان ولد موجات غضب واسعة في الشارع؛ مستحضراً تظاهرات طلاب المدارس الثانوية في يونيو الماضي في طهران، ومشهد، وشيراز، وأصفهان، وتبريز، احتجاجاً على التعديلات الظالمة لشروط القبول الجامعي التي صُممت لمحاباة أبناء النخب الثرية وخريجي المدارس الخاصة، مما أثار تساؤلات حادة حول استحالة المنافسة العادلة بين طالب في فصل مدرسي فقير ومكتظ وبين أبناء قادة النظام المتمتعين بأرقى البرامج التعليمية الخاصة.
الذعر الأمني للسلطة وبذور الثورة القادمة
اختتم ستيفنسون مقاله بتسليط الضوء على هاجس الرعب الأمني الذي يتملك أركان النظام؛ مشيراً إلى تصريحات الملا رضا نوري الذي حذر من «محاولات الأعداء لغزو المؤسسات التعليمية» مطالباً بتطهير المدارس من التأثيرات المناهضة. واعتبر الكاتب أن هذا التحريض يفضح الصراع العميق بين جيل شاب يسعى للعلم والحرية وبين سلطة استبدادية لا تجيد سوى لغة التلقين الأيديولوجي، والانضباط الأمني، وتفعيل لجان التأديب وفصل الطلاب في الجامعات.
وخلص التحليل إلى أن المدارس والجامعات الإيرانية تختزن غضباً هائلاً ضد الفساد وسلب الحقوق؛ مؤكداً أن معيار أي حكومة يكمن في نوعية المستقبل الذي تمنحه لأطفالها، وحين تُغلق أبواب الأمل في وجه جيل كامل، فإن الفصول الدراسية تصبح حتماً الحاضنة الطبيعية للثورة القادمة لاستعادة الوطن والكرامة.
- فصول اليأس في إيران: كيف يتحول الانهيار التعليمي والتمييز الطبقي إلى ساحة جديدة لمعركة الحرية؟

- الحد الأدنى للأجور في إيران لا يغطي 30% من تكاليف المعيشة
- صحيفة شرق: 35% من الأطباء العامين في إيران تركوا ممارسة الطب واضطر بعضهم إلى العمل سائقي أجرة
- 48% من دخل الفقراء لضمان سقف متهالك: «مافيات النهب المنظم» تطرد ملايين الإيرانيين إلى هوامش البؤس
- نزيف التعليم والصحة يعري إفلاس النظام الإيراني
- النظام الإيراني يطبع 50 تريليون ريال يوميا وسط قفزة قياسية في السيولة والتضخم
