بعد الانتفاضة صارت المعارضة الايرانية هي من تطارد النظام وأقطابه وليس العکس.
ميدل ايست أونلاين
بقلم: منی سالم الجبوري
من الخطأ الکبير اعتبار الثورة الايرانية، نتاج ومحصلة للتيار الديني المتشدد الذي ساهم في تلک الثورة علما بأننا لا نلمح الی إلغاء دورها کما فعل ويفعل هذا التيار ضد معظم التيارات والقوی السياسية التي شارکت في الثورة التي أطاعت بعرش الطاووس في إيران، لکننا نری من المهم جدا الإشارة الی إن فرض الرداء الديني علی الثورة الايرانية لم يکن يلائمها خصوصا وإن ذلک قد جابه ولا يزال يجابه رفضا شعبيا متعاظما، خصوصا وإن إيران قد کانت علی مر العصور منبعا ومصدرا للفنون والآداب ومختلف أنواع الثقافات، وإن سعي التيار الديني لجعل إيران منبعا ومصدرا للفکر الديني المتشدد المتطرف الی جانب الارهاب، هو واحد من أهم أسرار رفض هذا النظام من جانب شعب ذي حضارة عريقة کالشعب الايراني.
يسعی النظام جاهدا للإيحاء بألانتفاضة الاخيرة للشعب الايراني من إنها قد إنتهت وصارت شيئا من الماضي، هو نوع من الوهم وأحلام اليقظة التي يعيشها هذا النظام، ذلک إن هذه الانتفاضة تختلف تماما عن إنتفاضة عام 2009، کثيرا ومخطئ من يجعلهما متشابهين، فظروف وأوضاع إندلاعهما متباينة کثيرا، إذ أن الاولی کانت عفوية وتلقائية الی حد ما، أما الثانية فإنها لم تکن کذلک أبدا، فقد کانت هناک إستعدادات مسبقة لها بإعتراف المرشد الاعلی للنظام نفسه، خصوصا وإن التحرکات الاحتجاجية للشعب الايراني في عام 2017، والتي سبقت الانتفاضة وبإعتراف وزير الداخلية الايرانية نفسه قد صارت 154 حرکة إحتجاجية في اليوم، أي کانت هناک 56 ألف خلال العام الماضي، في حين إن هذه التحرکات وبإعتراف وزير الداخلية ذاته للعام 2016، قرابة 7000 حرکة إحتجاجية، وهذا الفرق الکبير بين العامين لا يمکن تفسيره إلا بأن هناک أکثر من شيء تحت الشمس الايرانية الحمراء، وهو ما سعی النظام للتغطية والتمويه عليه طويلا حتی خرج المرشد الاعلی للنظام من صمته الذي إستمر لثلاثة عشر يوما ويعلن للحالم کله بأن الانتفاضة کانت مؤامرة من إعداد منظمة مجاهدي خلق المعارضة!
الانتفاضة الاخيرة ترکت آثارا وتداعيات علی الاوضاع في إيران بعيث لا يمکن أبدا تجاهلها والتغاضي عنها، بل وإنها بإستمرارها لفترة اسبوعين تقريبا وإطلاق شعارات معادية للنظام الديني القائم وتطالب بسقوطه، أعطت إنطباعا ليس للنظام الايراني فقط وانما للعالم أجمع بأن الشعب الايراني يطالب بالتغيير وليس فقط إصلاحات أو إجراءات معينة، بحيث يمکننا القول بأن هذه الانتفاضة قد صارت بمثابة فيصل بين عهدين وليس بالامکان أبدا تجاهل ذلک، رغم إننا يجب أن نشير هنا الی ثمة حقيقة هامة جدا من إن النظام ليس بإمکانه أبدا أن يقدم أية معالجات أو حلول مناسبة للأوضاع الوخيمة التي يعاني منها ولاسيما وإنه يواجه أزمة إقتصادية ومالية خانقة تتزامن مع تضييق خناق العقوبات الاقتصادية عليه والتي ليس بوسعه أبدا إخفاء تأثيراتها السلبية الکبيرة عليه.
نظام الجمهورية الاسلامية الايرانية الذي کان الی الامس القريب يفرض إملائاته ومطالبه علی دول العالم بشأن معارضيه وتعديدا ضد منظمة مجاهدي خلق، فإنه اليوم صار يواجه ويعيش حالة معاکسة وعلی الضد من ذلک تماما، إذ إن هروب خليفة المرشد الاعلی من مشفاه في مدينة هانوفر الالمانية من جراء الملاحقات القضائية له من جانب المعارضة الايرانية وبالاخص من جانب منظمة مجاهدي خلق والتي طرحت قضية مشارکته في جرائم ومجازر ضد الشعب الايراني، تعني بأن الصورة قد تغيرت تماما، فبعد هذه الانتفاضة صارت المعارضة الايرانية هي من تطارد النظام وأقطابه وليس العکس وفي ذلک أکثر من عبرة ومعنی لإيران الغد، إيران من دون هذا النظام!
