إيران على صفيح الانتفاضة: حين يتكلم الشارع
في يومها الخامس، لم تعد الانتفاضة الإيرانية حدثًا عابرًا أو موجة احتجاج موضعية، بل تحوّلت إلى مشهد وطني شامل يعكس عمق الأزمة البنيوية التي تعصف بنظام ولاية الفقيه. ما يجري في شوارع طهران، وكرمانشاه، ولردغان، ومرودشت، ومشهد، وأصفهان، وسواها من المدن، هو تعبير صريح عن قطيعة متنامية بين الشعب وحكم قائم على القمع والفساد والإفقار المنهجي.
الهتافات التي دوّت في الساحات – «الموت لخامنئي»، «الموت للديكتاتور»، «يجب أن يرحل نظام الملالي»، و«هذا شهر الدم، سیسقط سيد علي» – ليست مجرد شعارات غضب، بل خلاصات سياسية واضحة تحدد جوهر الصراع وتسمّي المسؤول المباشر عن الانهيار الشامل. إن استهداف رأس النظام وشعاره العقائدي يؤكد أن المحتجين تجاوزوا مطالب الإصلاح الجزئي، وبلغوا مرحلة المطالبة باسقاط النظام.
لقد واجه النظام هذه الانتفاضة، كعادته، بالرصاص والغاز والاعتقالات. سقط شهداء وجرحى. ورغم ذلك، لم تفلح آلة القمع في كسر إرادة الشارع، بل أسهمت في توسيع رقعة الاحتجاج وتعميق الغضب الشعبي.
أُحرقت سيارات الشرطة، وتعرّضت مراكز القمع لهجمات مباشرة نفذها شباب الانتفاضة، في مشهد غير مسبوق من التحدي المفتوح.
إن اتساع المدن المنتفضة، من لردغان إلى قم، ومن خرمآباد إلى رشت وكرج، يكشف حقيقة أساسية: الأزمة لم تعد محصورة في فئة اجتماعية أو منطقة جغرافية. التجار والكسبة، العمال، الشباب، والكادحون، جميعهم باتوا في خندق واحد في مواجهة نظام أوصل البلاد إلى حافة الانهيار الاقتصادي والاجتماعي، مع تضخم جامح، وانهيار العملة، وفساد بنيوي ينهش مفاصل الدولة.
التغطية الواسعة التي حظيت بها الانتفاضة في الإعلام الدولي تؤكد بدورها أن ما يجري في إيران ليس شأنًا داخليًا معزولًا، بل تطورًا سياسيًا ذا أبعاد إقليمية ودولية. فاستقرار هذا النظام كان دائمًا مبنيًا على القمع في الداخل وتصدير الأزمات إلى الخارج، وأي تصدع داخلي عميق ينعكس بالضرورة على مجمل معادلات المنطقة.
في هذا السياق، تكتسب دعوة المقاومة والانتفاضة، التي تؤكد عليها المقاومة الإيرانية، معناها العملي. فالشعارات التي يرفعها المحتجون اليوم تعبّر عن وعي سياسي متقدم، يدرك أن جذور الأزمة تكمن في بنية الحكم نفسها، لا في سياساته الظرفية.
ما تشهده إيران اليوم هو فصل جديد من صراع طويل بين شعب يتطلع إلى دولة مدنية ديمقراطية، ونظام يصرّ على البقاء بالقوة. والتاريخ، كما علّمنا، لا يقف طويلًا إلى جانب من يحكم بالسلاح ضد إرادة الملايين.
