احتجاجات شرائح المجتمع توحد الإيرانيين ضد فساد النظام الإيراني
لم تكن الاحتجاجات التي شهدها شهر ديسمبر هذا العام مجرد مطالب فئوية عابرة، بل كانت صرخة جماعية لشرائح متنوعة من الشعب الإيراني وحدها جرح مشترك وهو “الانهيار المعيشي”. من العمال إلى الموظفين والنخب المتعلمة، وصل الجميع إلى قناعة بأن الفقر والغلاء ليسا حوادث عرضية، بل نتيجة لسياسات “النظام الإيراني” الذي سخر القانون لخدمة مافيا المقاولين، وأنفق ثروات البلاد على مشاريع القمع والإرهاب الخارجي التي يقودها خامنئي، تاركاً موائد المواطنين فارغة.
ما ظهر في هذا الشهر كان الصوت الجماعي لشرائح جاءت من مواقع مختلفة، لكنها نزفت من جرح واحد. العمال، وموظفو الخدمات، والقوى العاملة بعقود مؤقتة، والطبقات المتعلمة، والناشطون الاقتصاديون، والقطاعات المنتجة في المجتمع، وصلوا جميعاً إلى نقطة تقاطع واحدة: انهيار المعيشة، وانعدام مصداقية القانون، والإقصاء الممنهج للحقوق الاجتماعية في ظل حكم النظام الإيراني.
عدالة مفقودة وهيكل فاسد
رغم تنوع المطالب في الظاهر، إلا أنها تدور في العمق حول محور واحد: إنهاء التمييز، وقطع دابر “الوساطات الفاسدة”، واستعادة الحد الأدنى من العدالة الاقتصادية. فالعامل المتعاقد الذي ينشد الأمان الوظيفي، وموظف الخدمات الذي يعيش تحت خط الفقر، والناشط الاقتصادي الذي سئم الانسداد الإداري، كلهم ضحايا لهيكل واحد؛ هيكل حول القانون من ملاذ للأغلبية إلى أداة لتوزيع الامتيازات (الريع) بين الحلقات المقربة من السلطة في النظام الإيراني.
شعار “لقد ظُلمنا، ولماذا تُرك القانون؟” الذي رُفع في الاحتجاجات، يختصر تجربة حياة الملايين. فالقانون الذي ينبغي أن يحمي الناس، إما يُعطل عمداً أو يتم الالتفاف عليه بوعي. نظام المقاولات، والعقود المؤقتة، والأجور التمييزية، والوعود الجوفاء، كلها أجزاء من سياسة هادفة لـ النظام الإيراني؛ سياسة ترمي إلى خفض تكلفة اليد العاملة وضمان أرباح الشبكات التي تتغذى من رحم السلطة.
حرب طبقية ومافيا المقاولين
صرخة “كفى ظلماً وجوراً، موائدنا فارغة” ليست مجرد شكوى من الفقر، بل اعتراض على الهيكلية التي تنتج الفقر وتثبته وتعيد إنتاجه.
القمع جزء لا يتجزأ من هذه الدورة. فكلما بقي مطلب دون إجابة، اتُهم الاحتجاج بـ “الإخلال” أو “إثارة الشغب”. التهديد بالفصل، والتعليق عن العمل، والضغوط الأمنية، والإنكار الرسمي للمشكلات، هي أدوات لإسكات صوت يزداد اتساعاً وجذرية يوماً بعد يوم. هذا القمع ليس دليلاً على اقتدار النظام الإيراني، بل هو اعتراف غير مكتوب بالوصول إلى طريق مسدود بنيوياً.
خامنئي وتمويل الإرهاب من جيوب الفقراء
في هذا المشهد، لا يمكن إنكار دور خامنئي وهرم السلطة الحاكمة. الارتفاع المستمر في الأسعار، وسقوط قيمة العملة الوطنية، والضغط الممنهج على معيشة الناس، ليس مجرد نتيجة لسوء الإدارة أو أخطاء تنفيذية، بل هو جزء من آلية واعية لسحب الأموال من جيوب المجتمع وضخها في ماكينة القمع والمغامرات المكلفة.
لقد أُنفقت مليارات الدولارات على المشاريع الصاروخية والنووية الفاشلة، والاستعراضات العسكرية العقيمة، ودعم القوى الوكيلة ؛ مشاريع لم تجلب أمناً ولا رفاهية، وكان حصادها الوحيد العقوبات والعزلة والفقر المدقع. الموائد الفارغة في الداخل هي الثمن المباشر لهذه السياسات الإرهابية والأصولية لـ النظام الإيراني خارج الحدود، والتي مُنيت بالفشل الواحدة تلو الأخرى.
مقدمة لمواجهة مصيرية
الإشارات واضحة. الاحتجاجات العمالية والنقابية والاجتماعية بدأت تترابط، وهذا الغضب المتناثر يتحول تدريجياً إلى قوة متصلة. شهر ديسمبر 2025 لم يكن شهر احتجاج فحسب، بل كان مقدمة لتقابل مصيري؛ مواجهة بين شعب لم يعد لديه ما يخسره، ونظام إيراني نهب كل شيء. مجتمع، من العامل الصناعي إلى موظف الخدمات، ومن المُنتج إلى الطالب، لم يعد مستعداً لدفع تكلفة عدم الكفاءة والفساد والنهب الهيكلي الحاكم.
- إيران.. معيار المشروعية في النضال ضد الديكتاتورية
- ذعر النظام الإيراني من انتفاضات جديدة: استخبارات الحرس تهدد المتظاهرين بـ ضربة أقوى من 8 يناير
- المقاعد الفارغة: من إعدامات الطفولة إلى مجزرة يناير
- اعترافات رسمية: استمرار اعتقال الأطفال وذعر حكومي من تحول الجامعات إلى برميل بارود
- اليوم الرابع للانتفاضة الطلابية في إيران: حرق لصور خامنئي و خميني، واشتباكات مع قوات القمع
- الجامعات الإيرانية: القلعة الصامدة في وجه دكتاتوريات الماضي والحاضر
