احتجاجات إيران تستهدف مراكز علیا للفساد
شهدت إيران، اليوم الأحد 9 نوفمبر 2025 ، يومًا استثنائيًا من الغضب الشعبي المنظم، حيث انفجرت احتجاجات واسعة في عشرات المدن، قادها متقاعدو شركة الاتصالات في تحرك وطني منسق وصفوه بـ “يوم عزاء” إحياءً لذكرى “نكبة الخصخصة”. امتدت هذه الاحتجاجات لتشمل مدنًا رئيسية وكبرى، من العاصمة طهران إلى أصفهان، وتبریز، وهمدان، وکرمنشاه، ورشت، وسنندج، وزنجان، والأهواز، وفارس، وخرم اباد، وهرمزكان، وكرمان، ومريوان، وبيجار، وسيستان وبلوشستان، وقم، ومناطق أخرى. بالتزامن مع هذا الحراك الوطني، خرج متقاعدو الضمان الاجتماعي في مسيرات غاضبة في شوش والأهواز، ونظم متقاعدو قطاع الصلب والتعدين تجمعًا احتجاجيًا أمام مبنى المحافظة في أصفهان. لم تكن تحركات اليوم مجرد مطالب معيشية عابرة، بل كانت هجومًا مباشرًا وواعيًا على مراكز الفساد في قلب النظام، وتحديدًا المؤسسات الاقتصادية العملاقة التابعة مباشرة لمكتب الولي الفقيه.
ومن جانب اخر تجمعت مجموعة من النساء البلوشيات المقيمات في منطقة كامب أمام قائمقامية تشابهار بعد أن هدمت القوات العسكرية وموظفو مؤسسات الإسكان منازلهن. هؤلاء النساء، اللواتي تُركن في الشوارع مع أطفالهن، وصفت إحدى المتظاهرات: “لا توجد أي مؤسسة تستجيب، إنهم يحيلوننا جميعًا إلى جهة أخرى”. في مداهمة 2نوفمبر، هدم أكثر من ٣٠٠ عنصر من القوات العسكرية عشرات المنازل دون أمر قضائي. وتشير التقارير إلى تعرض العائلات للضرب ومنعها من ترك ممتلكاتها. ورغم مرور أسبوع، لم تُعلن أي من المؤسسات المحلية مسؤوليتها عن هذا العمل ومصير العائلات المشردة.
ذكرى “الخصخصة الزائفة”: يوم الصرخة ضد النهب
كان المحور الرئيسي لاحتجاجات اليوم هو ما أسماه المحتجون “ذكرى نكبة الخصخصة الزائفة” لشركة الاتصالات. لم يكن هذا المصطلح عفويًا، بل هو توصيف دقيق لعملية نهب منظمة بدأت قبل سنوات. ففي طهران، شارك المتقاعدون في مسيرة احتجاجية، كما تجمعوا في تبريز وكرمنشاه تحت شعار موحد: «إنه يوم عزاء، اليوم الموظف والمتقاعد في مأتم!». كان هذا الشعار بمثابة إعلان بأن عملية البيع المزعومة لم تكن سوى عملية سطو دمرت مستقبلهم المالي والاجتماعي.
العدو الحقيقي: مؤسسات خامنئي وحرس النظام الإيراني
لم يترك المحتجون أي مجال للشك حول هوية خصمهم. ففي جميع المدن، من همدان إلى أصفهان وكردستان، تم توجيه أصابع الاتهام بشكل مباشر إلى المساهمين الرئيسيين الذين ابتلعوا الشركة تحت غطاء “الخصخصة”. هؤلاء المساهمون هم “هيئة التنفيذي بأمر خمينی” و”مؤسسة تعاون حرس النظام الإيراني”. هاتان المؤسستان العملاقتان، اللتان تعملان تحت الإشراف المباشر والمطلق من مكتب الولي الفقيه علي خامنئي، هما المصدر الحقيقي للفساد الهيكلي. لقد استولتا على واحدة من أكبر وأغنى البنى التحتية في البلاد، وقامتا، وفقًا للمحتجين، بنهب أصولها بشكل ممنهج، وتدمير بنيتها التحتية، وإفلاس صندوق التقاعد الذي يخص عشرات الآلاف من الموظفين والعمال الذين أفنوا حياتهم في بنائها.
شعارات تكشف المستور
كانت هتافات المتقاعدين اليوم بمثابة لائحة اتهام سياسية واضحة. ففي أصفهان، صدح الهتاف الذي يلخص القصة كاملة: «نحن من بنى الاتصالات، وحرس النظام استولى عليها، ونحن خسرنا!». وفي جيلان، وصفوا المالكين الجدد بـ “المستبدين” و”آكلي حقوق الناس”، وهتفوا: «اتصالات إيران في أيدي المستبدين!». أما في كردستان، فكان الوصف أكثر إيلامًا: «لقد استولوا على الاتصالات وسلموها إلى الذئاب». وفي طهران، كشف المتقاعدون زيف ادعاءات النظام بهتافهم: «عدونا هنا، يكذبون ويقولون إنه أمريكا!». كل هذه الشعارات تؤكد أن المحتجين لا يرون المشكلة في سوء إدارة بسيطة، بل في عملية سطو مسلح نفذتها أعلى مراكز القوة في النظام.
اتساع رقعة الغضب: من الضمان الاجتماعي إلى قطاع الصلب
لم يكن غضب المتقاعدين حكراً على قطاع الاتصالات. ففي خوزستان، خرج متقاعدو الضمان الاجتماعي بتجمع حاشد، ووجهوا اتهامهم مباشرة لكافة أركان النظام: «الحكومة تخون، والبرلمان يدعمها!». وفي شوش، تحولت الوقفة إلى مسيرة جابت الشوارع، كاشفة عن عمق النفاق الرسمي بشعار: «شعارهم (يا حسين)، وعملهم السرقة والنهب!»، وأكدوا أن الحل الوحيد المتبقي هو الشارع: «حقوقنا لا تُسترد إلا في الشوارع!». وفي أصفهان مجددًا، أكمل متقاعدو قطاع الصلب والتعدين المشهد بالاحتجاج أمام مبنى المحافظة، مؤكدين أن سنوات عملهم الشاق لم تثمر سوى الفقر والإهمال، وأن صبرهم قد نفد من وعود المسؤولين الكاذبة.
الفساد الهيكلي لتمويل الإرهاب
إن احتجاجات اليوم، وخصوصاً التحرك الوطني المنسق لمتقاعدي الاتصالات، ليست مجرد رد فعل على أزمة معيشية، بل هي إدانة سياسية صريحة لنموذج حكم قائم على الفساد. لقد أظهر المحتجون وعيًا كاملاً بأن ثرواتهم تُسرق من قبل مؤسسات تخضع مباشرة لخامنئي وحرس النظام الإيراني. هذا النهب الممنهج لأصول الدولة، تحت مسمى “الخصخصة”، ليس فقط لتدمير حياة المواطنين، بل هو الآلية التي يعتمد عليها النظام لجمع المليارات اللازمة لتمويل سياساته التوسعية، ودعم الإرهاب، وتمويل الميليشيات في مختلف دول المنطقة. إن صرخة المتقاعدين في شوارع إيران اليوم هي الدليل القاطع على أن الشعب يرفض أن يدفع فاتورة فساد النظام ومغامراته الإقليمية من لقمة عيشه وكرامته.
- إيران.. معيار المشروعية في النضال ضد الديكتاتورية
- ذعر النظام الإيراني من انتفاضات جديدة: استخبارات الحرس تهدد المتظاهرين بـ ضربة أقوى من 8 يناير
- المقاعد الفارغة: من إعدامات الطفولة إلى مجزرة يناير
- اعترافات رسمية: استمرار اعتقال الأطفال وذعر حكومي من تحول الجامعات إلى برميل بارود
- اليوم الرابع للانتفاضة الطلابية في إيران: حرق لصور خامنئي و خميني، واشتباكات مع قوات القمع
- الجامعات الإيرانية: القلعة الصامدة في وجه دكتاتوريات الماضي والحاضر
