تشريح هيكلي للتضخم المزمن في إيران ودور نظام الحكم فيه
لم يعد التضخم في إيران مجرد قضية اقتصادية، بل أصبح انعكاساً مباشراً لهيكلية السلطة السياسية ونظام النهب القائم على ولاية الفقيه. في هذا النظام، تحول الاقتصاد إلى أداة لضمان استمرارية الهيمنة وتأمين مصالح شبكات الريع والمؤسسات التابعة للنظام الحاكم. إن الترابط الوثيق بين الاستبداد الديني والفساد الممنهج والسياسات المالية المنفلتة يثبت أن التضخم المزمن لا ينبع من تقلبات السوق أو ضعف الإدارة، بل من المنطق الداخلي لنظام بنى بقاءه على طباعة النقود دون غطاء، ونهب الموارد الوطنية، وقمع الإنتاج الحقيقي.
يمكن تحليل هذه الظاهرة من خلال أربعة محاور أساسية:
- البنك المركزي في أسر ولاية الفقيه: باثولوجيا طباعة النقود
في ظل نظام ولاية الفقيه، لا يعمل البنك المركزي كمؤسسة مستقلة تضع السياسات النقدية، بل كصندوق لتمويل الحكومة والمؤسسات التابعة لها. لقد تم تجريد هذه المؤسسة من استقلاليتها، التي تُعد الشرط الأساسي للاستقرار النقدي في أي اقتصاد سليم، لتتحول إلى أداة لتغطية النفقات اللامتناهية للمؤسسات الدينية والعسكرية والمؤسسات الخاضعة مباشرة لأمر خامنئي.
إن طباعة النقود دون غطاء لتمويل نفقات حرس النظام الإيراني، وهيئة الإذاعة والتلفزيون، و”لجنة تنفيذ أمرخميني“، و”العتبة الرضوية المقدسة”، وعشرات المؤسسات الريعية الأخرى، أصبحت آلية دائمة “لسد عجز الميزانية السياسي”. هذه الدورة هي السبب الجذري لنمو السيولة النقدية الهائلة وتدهور قيمة العملة الوطنية. في الواقع، ما يسمى ظاهريًا بالسياسة النقدية للحكومة هو في حقيقته “سياسة بقاء النظام”: زيادة القاعدة النقدية لتغطية الفجوة بين إيرادات السلطة ونفقاتها.
توقع صندوق النقد الدولي، الخميس 20 تشرين الأول/أكتوبر، مع صدور تقريره الأخير حول الوضع الاقتصادي في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، أن تصل ديون حكومة الملا رئيسي إلى ما يعادل 30.6% من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام
- عجز الميزانية المزمن: انعكاس لاقتصاد النهب والريع
يعكس عجز الميزانية المزمن في إيران الهيكل الاقتصادي لنظام ولاية الفقيه، حيث يتم وضع جزء كبير من الموارد العامة خارج إشراف الحكومة والبرلمان، تحت تصرف المؤسسات التابعة لبيت المرشد والحرس الثوري. في مثل هذا النظام، تواجه الحكومة الرسمية دائمًا نقصًا في الموارد، لأن عائدات النفط والضرائب، بدلاً من أن تدخل في دورة التنمية، تُنفق لتمويل الحروب بالوكالة، والجهاز الدعائي للنظام، والمشاريع الأيديولوجية.
في كثير من السنوات، تم تمويل أكثر من نصف الميزانية العامة عبر الاقتراض المباشر من البنك المركزي، وهو ما يعني ببساطة “طباعة النقود” وبالتالي تغذية التضخم. إن عجز الميزانية في هذا النظام ليس خطأً إداريًا، بل هو نتيجة منطقية لسياسة النهب وتوزيع الريع بين دوائر السلطة. وكلما اتسعت هذه الدوائر وزادت تكاليفها، أصبح التضخم أكثر حدة واستدامة.
- انهيار الإنتاج في ظل هيمنة المؤسسات شبه الحكومية والعسكرية
أحد أهم جذور التضخم في إيران هو تدمير القدرة الإنتاجية المحلية، والذي نتج بشكل مباشر عن الهيمنة الاقتصادية للمؤسسات التابعة لولاية الفقيه. مؤسسات مثل “مؤسسة المستضعفين”، و”لجنة تنفيذ أمر الإمام”، ومقر “خاتم الأنبياء” التابع للحرس الثوري، وعشرات الشركات القابضة الأخرى، احتكرت اقتصاد البلاد.
في مثل هذه البيئة، لا يملك القطاع الخاص الحقيقي أي فرصة للمنافسة، لأنه لا يملك وصولاً إلى الموارد المصرفية ولا يستفيد من ريع العملات الأجنبية والجمارك. أدت سياسات التسعير الإجباري، والتغيير المستمر للقوانين، والقرارات غير الشفافة إلى تحويل بيئة الإنتاج إلى بيئة غير آمنة وغير قابلة للتنبؤ. والنتيجة واضحة: انخفاض عرض السلع، وهروب رأس المال، وفي النهاية، ارتفاع مستمر في الأسعار.
في الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم إلى تطورات الحرب في غزة، يواجه الشعب الإيراني عدوًا داخليًا لا يقل فتكًا: الفساد السياسي والاقتصادي لنظام حاكم تغلغلت آثاره في نسيج حياتهم اليومية. هذه الأزمة، التي تبتعد عن الأضواء العالمية، هي المحرك الحقيقي لمعاناة الإيرانيين
- أزمة الثقة العامة والتوقعات التضخمية في ظل خداع السلطة
في الاقتصاد الإيراني، لا يعد انعدام ثقة الناس بالحكومة مجرد رد فعل نفسي، بل له جذور موضوعية. لقد فقدت السياسات الكاذبة والوعود المتكررة للنظام بشأن “السيطرة على التضخم” و “تحسين معيشة الناس” مصداقيتها مرارًا وتكرارًا. عندما يرى الناس أن كل قرار اقتصادي يخدم مصالح مؤسسات معينة وليس الصالح العام، فمن الطبيعي أن يتجهوا نحو شراء الأصول والهروب من الريال. هذه الظاهرة، المعروفة بـ”التوقعات التضخمية”، تولد من انعدام الثقة السياسية. فعندما يشعر المواطنون أن النظام سيستمر في النهب، فإنهم يتوقعون ارتفاع الأسعار، وهذا التوقع بحد ذاته يسرّع من تحققه.
التضخم المزمن في إيران ليس ظاهرة اقتصادية بحتة، بل هو الوجه الاقتصادي لنظام سياسي فاسد وشمولي. في نظام ولاية الفقيه، تتشابك بنية السلطة مع الفساد المالي، ويتحول الاقتصاد إلى مصدر لتمويل أجهزة القمع والدعاية. طالما بقي البنك المركزي والميزانية والسياسة المالية للبلاد في خدمة بيت المرشد والحرس الثوري، فلن تنجح أي خطة لمكافحة التضخم أو أي إصلاح اقتصادي.
إن الحل الحقيقي لا يكمن في “إصلاح السياسات الاقتصادية”، بل في تجاوز نظام بنى بقاءه على النهب والتضخم. فقط مع زوال هيكل ولاية الفقيه وإقامة حكم شفاف ومسؤول وقائم على المصلحة الوطنية، يمكن أن يختفي التضخم من وجه المجتمع الإيراني ويتحرر اقتصاد البلاد من دائرة النهب والفقر.
- أزمة المياه تضرب مشهد: جفاف السدود يفضح فساد النظام الإيراني ومشاريع الحرس التدميرية
- التضخم يبتلع موائد الإيرانيين مسجلاً 62.2%.. اقتصاد في حالة سقوط حر
- الانهيار الاقتصادي ودماء شهداء الإنتفاضة يدفعان النظام الإيراني نحو الهاوية
- صحيفة دير ستاندرد تفضح الإمبراطورية المالية لـ مجتبى خامنئي في قلب أوروبا
