سجن قزل حصار: “مصنع الموت” الذي يأوي 17 ألف إنسان في أغلال
يُعتبر سجن قزل حصار، الواقع في منطقة كرج، أحد أكبر وأكثر السجون اكتظاظًا في إيران والشرق الأوسط، حيث يضم حوالي 17 ألف سجين في ظروف كارثية. هذا السجن، الذي تحول من مركز احتجاز محدود إلى مجمع ضخم للقمع، يجسد أزمة إنسانية وحقوقية عميقة. من الانهيار الصحي والتعذيب الممنهج إلى الفساد المستشري وشبكات المخدرات المنظمة، أصبح قزل حصار رمزًا لانهيار نظام السجون في إيران وتحوله إلى “مصنع للموت” ينتهك بشكل صارخ أبسط المعايير الدولية لحقوق الإنسان.
مدينة في أغلال: الاكتظاظ والانهيار الهيكلي
يعاني السجن من وضع مأساوي بسبب بنيته التحتية المتهالكة والكثافة السكانية الهائلة. غالبًا ما يتم حشر عدد من السجناء يتجاوز ضعفي السعة التصميمية للزنازين؛ فعلى سبيل المثال، تُكدس زنازين بمساحة 30 مترًا، مصممة لعشرة أشخاص، بـ 40 إلى 50 سجينًا، مما يجبرهم على النوم بالتناوب أو على الأرضيات الرطبة وغير الصحية. أنظمة التهوية والإضاءة شبه معدومة، مما يجعل الأجواء لا تطاق في حر الصيف وبرد الشتاء القارس.
تتفاقم الأزمة بسبب النقص الحاد في المياه الصالحة للشرب، حيث أفادت تقارير بأن انقطاع المياه قد يستمر أحيانًا لمدة تصل إلى 25 يومًا. هذا النقص، إلى جانب تعطل نظام التدفئة والمياه الساخنة، يجعل الحفاظ على النظافة الشخصية أمرًا مستحيلًا. وتُستخدم في كل عنبر 4 إلى 5 مراحيض متهالكة فقط لأكثر من 300 سجين، مما يؤدي إلى انتشار الأوساخ والحشرات والأمراض.
الأزمة الصحية: تفشي الأمراض والإهمال المميت
الوضع الصحي في قزل حصار كارثي بكل المقاييس. العيادة المركزية للسجن تفتقر إلى أبسط المعدات والأدوية والكوادر المتخصصة، وتقتصر خدماتها على الفحوصات السطحية والمسكنات البسيطة، بينما تكون مغلقة فعليًا في المساء والليل. يُترك السجناء المصابون بأمراض مزمنة كالسكري والصرع وأمراض القلب لمواجهة مصيرهم، كما أن إرسالهم إلى المستشفيات الخارجية يصطدم بعقبات إدارية وأمنية وديون السجن المتراكمة للمستشفيات.
وقد أدت هذه الظروف إلى تفشي أمراض معدية خطيرة مثل السل والتهاب الكبد الوبائي والأمراض الجلدية والطفيلية، حيث لا يتم عزل المرضى، مما يسرّع من انتقال العدوى. كما أن سوء التغذية، المتمثل في طعام رديء يفتقر للبروتين والفيتامينات، يسبب ضعفًا جسديًا عامًا وفقر دم بين السجناء. وعلى الصعيد النفسي، أدت الظروف القاسية والعنف والخوف من التعذيب والإعدام إلى ارتفاع حاد في حالات الاكتئاب والهلوسة وإيذاء النفس والانتحار.
هندسة التعذيب: فريدون فرج نجاد و”الوحدة الآمنة”
التعذيب في قزل حصار ليس استثناءً، بل هو جزء من آلية ممنهجة للسيطرة وبث الرعب. ويبرز اسم فريدون فرج نجاد، أحد كبار مسؤولي السجن، باعتباره “وجه القمع الرئيسي”. يصفه السجناء السابقون بأنه شخص سادي وعديم الرحمة، يشتهر بأساليبه في التعذيب النفسي والجسدي. ومن أشهر أساليبه تعليق فئران نافقة أمام السجناء لإيصال رسالة مفادها أن “مصيركم لا يساوي أكثر من مصير هذا الفأر”.
يُعرف فرج نجاد بين السجناء بلقب “رسول الموت”، لأنه غالبًا ما ينقل أخبار تنفيذ أحكام الإعدام الوشيكة للسجناء بطريقة مهينة ومصحوبة بالسخرية والتهديد.
يشمل التعذيب الجسدي الضرب الشديد بالكابلات والهراوات والصدمات الكهربائية، والتعليق من السقف، والحرمان من الماء والطعام. أما التعذيب النفسي فيشمل التهديد بالاعتداء الجنسي، وتهديد عائلات السجناء، ومحاكاة أصوات الإعدام في منتصف الليل، وإجبار السجناء على مشاهدة إعدام الآخرين. وتُستخدم “الوحدة الآمنة”، وهي مجموعة من الزنازين الانفرادية المظلمة، كمركز لتنفيذ أشد أنواع التعذيب بإشراف شخصي من فرج نجاد ومساعديه مثل نبي سحرخيز. ومن أفظع الأساليب النفسية، ممارسة الإعدامات الوهمية، حيث يُقتاد السجين إلى المشنقة ثم يُعاد في اللحظة الأخيرة، مما يدمر روحه ويدفعه إلى حافة الجنون.
شبكة الفساد: المخدرات والابتزاز المنظم
لم يعد قزل حصار مركزًا للقمع فحسب، بل تحول إلى رمز للفساد الهيكلي. مؤسسة تعاون السجن، التي من المفترض أن تخدم السجناء، أصبحت أداة للفساد، حيث تبيع سلعًا رديئة بأسعار مضاعفة لهم، محققة أرباحًا طائلة دون أي رقابة.
والأخطر من ذلك هو وجود شبكة منظمة لتهريب وتوزيع المخدرات، خاصة “الشيشة” (الكريستال ميث) والأفيون، داخل السجن، وذلك بتواطؤ ومشاركة مباشرة من بعض المسؤولين. وتذكر التقارير أسماء متورطين في هذه الشبكة مثل مهندس ابن رحمان (رئيس فرع مؤسسة التعاون)، أمير دهكده وفرزاد جوانفر وعلي علي كاهي (مسؤولو المشتريات)، أكبر وجعفر رضواني (ضابطا أمن)، ونبي سحرخيز (مشرف عمليات). لقد تحول السجن إلى سوق رائجة للمخدرات، والسجناء العاديون هم الضحية الرئيسية لهذا الفساد.
مركز الإعدامات وانتهاك القانون الدولي
لقد تحولت “الوحدة الآمنة” في السجن بالكامل إلى عنبر للمحكومين بالإعدام، وأصبحت أيام الإثنين والأربعاء مخصصة لتنفيذ الأحكام. لم يعد الإعدام عقوبة استثنائية، بل سياسة رسمية تهدف إلى بث الرعب والسيطرة على مجتمع ساخط. هذه الممارسات تنتهك بشكل صارخ المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان، بما في ذلك:
- الحق في الحياة (المادة 3 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان).
- حظر التعذيب والمعاملة اللاإنسانية (المادة 5).
- الحق في محاكمة عادلة أمام محكمة مستقلة (المادة 10).
إن قصة سجن قزل حصار المروعة هي انعكاس لأزمة إنسانية عميقة في قلب بنية الظلم في الديكتاتورية الحاكمة. لقد تحولت الزنازين التي كان يجب أن تكون للإصلاح إلى غرف انتظار للموت. وما دامت دائرة العنف هذه مستمرة، فإن أصوات الضحايا ستظل تخاطب ضمير العالم، من أجل وقف الإعدام، ومحاسبة منتهكي حقوق الإنسان، وإنهاء ثقافة الموت التي استبدلت الإصلاح بالانتقام.
- دومينيك أتياس تستنكر إعدامات نظام الولي الفقيه وتطالب بتدخل دولي ملموس
- حراك أوروبي بوجه المشانق الإيرانية: صرخة دولية ضد الإعدامات السياسية
- أزمة إيران الوجودية: هل هي طبول الحرب أم حبال المشانق؟
- اللجنة الألمانية للتضامن مع إيران الحرة: إدانة شديدة لإعدام السجناء السياسيين ومطالبة بتحرك أممي وأوروبي عاجل
- الأسبوع الـ115 لحملة “ثلاثاء لا للإعدام”: إضراب واسع للسجناء السياسيين في 56 سجناً بإيران
- صحيفة ديلي ميل: مخاوف دولية من إصدار قضاة الموت عشرات أحكام الإعدام وسط ذعر النظام الإيراني من السقوط
