استنزاف 2 تريليون دولار: كيف ضحى النظام الإيراني بتنمية البلاد من أجل طموحاته العسكرية
تقرير بحثي للبروفيسور ماثيو تسوجي يكشف عن التكلفة البشرية والاقتصادية للإنفاق العسكري في إيران
في تقرير بحثي مفصل نشره “مشروع شبكة أخبار إيران الحرة” (FISN)، يكشف البروفيسور ماثيو تسوجي من جامعة ولاية كاليفورنيا (CSUSM) أن النظام الإيراني قد أنفق ما يقدر بنحو 2 تريليون دولار أمريكي على البرامج العسكرية وتطوير الأسلحة والمشاريع المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل على مدى العقود الثلاثة الماضية (1995-2024). هذا الرقم المذهل لا يمثل مجرد إنفاق مالي هائل، بل يعكس سوء تخصيص عميق للموارد الوطنية، حيث تم تحويل الثروة من أولويات حيوية مثل البنية التحتية والتعليم والرعاية الصحية والاستدامة البيئية، لترسيخ سيطرة النظام من خلال العسكرة والعدوان الخارجي.
الإنفاق العسكري في سياق الاقتصاد المنهار
يشير التقرير إلى أن هذا الإنفاق العسكري البالغ 2 تريليون دولار يمثل أكثر من 20% من إجمالي الناتج الاقتصادي للبلاد خلال نفس الفترة، والذي بلغ حوالي 9.8 تريليون دولار. ورغم أن الإنفاق العسكري الرسمي المعلن ارتفع بشكل حاد في السنوات الأخيرة ليتجاوز 10 مليارات دولار بحلول عام 2023، فإن هذا الرقم لا يشمل النفقات الضخمة وغير المسجلة التي يسيطر عليها حرس النظام الإيراني، الذي يدير إمبراطورية عسكرية صناعية غامضة داخل وخارج إيران.
وعلى المستوى الشخصي، فإن هذا المبلغ يعني أن 80 ألف دولار قد خُصصت عسكريًا عن كل أسرة إيرانية. في بلد يبلغ فيه متوسط الدخل السنوي للفرد حوالي 4,500 دولار، يعادل هذا الرقم دخل 18 عامًا لكل مواطن. إنها ثروة كان يمكن أن تغير حياة الملايين، وتنتشل الأسر من الفقر، وتطلق مجتمعات بأكملها نحو الحداثة، لكنها ذهبت بدلاً من ذلك إلى صوامع الصواريخ والميليشيات الوكيلة وأجهزة الطرد المركزي النووية.
الأزمات المزمنة الأربع التي تجاهلها النظام
على الرغم من هذا الإنفاق الهائل، لا تزال إيران تعاني من أربع أزمات متفاقمة ومترابطة:
- ندرة المياه: تعيش 90% من سكان إيران في مناطق تواجه إجهادًا مائيًا خطيرًا، وشهدت أكثر من 30,000 قرية انهيارًا سكانيًا بسبب نقص المياه بين عامي 2002 و 2017.
- نقص الطاقة: بلغت فجوة نقص الكهرباء ذروتها عند 14 جيجاوات في صيف 2024، وأصبح نقص الغاز في الشتاء أمرًا معتادًا، بينما تفقد شبكة الطاقة ما بين 4 إلى 5 مليارات دولار سنويًا بسبب عدم الكفاءة والتسرب.
- التضخم وانهيار العملة: ظل التضخم السنوي فوق 40% في السنوات الأخيرة، ويعيش أكثر من 50% من الإيرانيين تحت خط الفقر، ويواجه الكثيرون انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية.
- البطالة وهجرة الأدمغة: تتراوح بطالة الشباب باستمرار بين 25% و 50%، وتعد إيران واحدة من الدول الرائدة في هجرة الكفاءات، مما يترك قطاعات حيوية مثل تكنولوجيا المعلومات والرعاية الصحية تعاني من نقص التمويل.
ماذا كان يمكن فعله بدلاً من ذلك؟
يوضح التقرير أن إعادة توجيه 10% فقط من الإنفاق العسكري (200 مليار دولار) كان يمكن أن يحدث تحولاً جذريًا. فبمبلغ يتراوح بين 25 و 100 مليار دولار، كان بإمكان إيران إضافة ما بين 25 إلى 100 جيجاوات من قدرة توليد الكهرباء الجديدة. وباستثمار 100 مليار دولار في الصناعة المحلية، كان يمكن خلق 3 ملايين فرصة عمل طويلة الأمد. كما كان يمكن استثمار 30 إلى 50 مليار دولار لإنقاذ الموارد المائية وتنشيط المجتمعات الزراعية.
الاقتصاد العسكري وأولويات النظام
لقد نما حرس النظام الإيراني ليصبح مجمعًا عسكريًا-صناعيًا ضخمًا يسيطر على مئات الشركات في قطاعات النفط والبناء والبنوك والإعلام. وهو يعمل خارج رقابة الحكومة العادية ويستنزف الثروة الوطنية من خلال الميزانيات المباشرة وشبكات التهريب وملكية الأصول الاستراتيجية. ويذهب جزء كبير من هذا الإنفاق لتمويل زعزعة الاستقرار الإقليمي عبر وكلاء مثل حزب الله في لبنان، والميليشيات الشيعية في العراق، ونظام الأسد في سوريا، والحوثيين في اليمن، مما أدى إلى فرض عقوبات وعزلة دبلوماسية وضربات انتقامية، فاقمت من تدهور الوضع الاقتصادي في إيران.
التكلفة الحقيقية: تنمية بشرية مسلوبة
يختتم التقرير بأن القصة ليست مجرد أرقام. فالتكلفة الحقيقية تكمن في حياة لم تُعَش بإمكانياتها الكاملة: أطفال لم يتلقوا تعليمًا، ومرضى بلا دواء، وأسر نزحت بسبب الجفاف، وشباب بلا وظائف أو أمل. إن مبلغ الـ 2 تريليون دولار الذي أُنفق على العسكرة كان يمكن أن يجعل إيران رائدة في العلوم والصحة والتعليم والطاقة النظيفة، لكنها بدلاً من ذلك، غارقة في الأزمات والعزلة والقمع.
إن هذا المسار ليس حتميًا. فحتى الآن، يمكن لإعادة تخصيص استراتيجي للموارد الوطنية أن تنقذ البلاد من الانهيار. لكن لتحقيق ذلك، يجب على الشعب الإيراني أن يستعيد صوته، وعلى المجتمع الدولي أن يقف إلى جانبه، فالمستقبل ليس لمن يصنعون القنابل، بل لمن يبنون المجتمعات.
- الابتزاز النووي والإرهاب الداخلي: النظام الإيراني يتخبط في أزمات السقوط
- تحذير غروسي: مخزون إيران من اليورانيوم المخصّب سيبقى تهديدًا حتى بعد الحرب
- كايا كالاس: الاتحاد الأوروبي يعاقب 19 مسؤولاً وكياناً تابعاً للنظام الإيراني
- علي رضا جعفرزاده لشبكة نيوزماكس: لا حاجة لتدخل عسكري أمريكي، والشعب الإيراني والمقاومة المنظمة هما الحل لإسقاط النظام
- تكتيكات الخداع وتصدير الأزمات: المقاومة الإيرانية تحذر من نوايا طهران النووية
- تصاعد التوترات النووية: تحركات عسكرية ومواقف أمريكية حازمة تجاه طهران
