من المناجم إلى الموانئ: مذبحة صامتة لعمال إيران في ظلّ نظام خامنئي
اليوم العالمي للعمال… تَجسيد فجّ للاستغلال والقتل المؤسسي للطبقة العاملة
فيما یحتفل العالم باليوم العالمي للعمال، لا تزال أجساد عمّال إيران تُدفن تحت الركام، فيما تُدفن حقوقهم تحت نظام يستبيح حياتهم ومعيشتهم بلا حساب. وفي رسالة احتجاج رمزية ومؤثرة، رفع متقاعدون إيرانيون، في أعقاب كارثة بندر عباس، شعارات تعبّر عن عمق المأساة: «من المنجم إلى الميناء، مكان لقتل العامل».
لم تكن هذه الكلمات مجازية، بل توصيفًا دقيقًا لواقع دموي يتفاقم يومًا بعد آخر. إحدى الصحف الحكومية، وفي اعتراف نادر، عنونت تقريرًا لها بعد الفاجعة بـ«العمال في خط المواجهة مع الموت»، مؤكدة أن العمال هم أول الضحايا في الحوادث الكبرى، سواء في الانفجارات أو التسريبات أو أثناء عمليات الإطفاء، حيث يتحمّلون النصيب الأكبر من الخسائر البشرية.
في الأيام العشرين الأولى من العام الايراني الماضي وحده، سجلت إيران ثلاث كوارث مميتة في مناجم مهاباد ودامغان وبجستان، أودت بحياة عدد من العمال. غير أن الكارثة الأضخم كانت في سبتمبر 2024، حين طُمرت أجساد أكثر من 50 عاملًا في منجم الفحم «معدنجو» في مدينة طبس. هذا المنجم يتبع مباشرة لـ«شركة معدني وصناعي کل کهر» إحدى أضخم التكتلات في قطاع التعدين، والخاضعة لملكية بنك سبه، التابع بدوره لـ«مؤسسة المستضعفين»، التي تقع تحت الإشراف المباشر للولي الفقیة خامنئي.
في أعقاب الكارثة، خرج أحد مسؤولي العمال التابعين للنظام في خراسان الجنوبية ليصرّح بأن المنجم لم يكن يحتوي حتى على جهاز بسيط لرصد غاز الميثان، قائلاً: «لو كان لدينا مستشعر غاز، لما وقعت الكارثة». رغم ذلك، لم تبادر الجهات المالكة، المدعومة من النظام، إلى تركيب مثل هذا الجهاز البسيط، لتستمر سياسة الاستهتار المتعمّد بحياة العمّال.
نظام بلا نقابات حرة… وحقوق تُداس تحت أقدام الاستغلال
ما جرى في طبس ليس استثناءً، بل هو امتداد لمأساة وطنية تعكس بوضوح أن نظام ولاية الفقيه هو نظام معادٍ للعمال بطبيعته. فالعامل في إيران اليوم محروم من أبسط حقوقه، ويتعرض لشتى أشكال الاستغلال الاقتصادي والاجتماعي، في ظل غياب النقابات المستقلة والمحاكم العمالية العادلة.
حسين رسولي، الأمين التنفيذي لـ«بيت العمال» في محافظة خراسان الرضوية، يؤكد أن الدولة، بصفتها أكبر ربّ عمل، تسير يدًا بيد مع أرباب العمل في القطاع الخاص، بما يضعف القدرة التفاوضية للعمال ويجعل قرارات «المجلس الأعلى للعمل» تصب دومًا في مصلحة أصحاب العمل، وعلى حساب العامل الذي لا صوت له ولا حماية.
أجر لا يكفي لعشرة أيام… وواقع أقرب إلى العبودية
وفي أحدث حلقات هذا التمييز الفاضح، أعلنت وزارة العمل مؤخرًا عن تحديد الحد الأدنى لأجور العمال لعام 2025 بنحو 10 ملايين و399 ألف تومان، بينما تقديرات الخبراء، بل والإعلام الحكومي نفسه، تشير إلى أن سلّة المعيشة الشهرية لعائلة متوسطة تتجاوز 35 مليون تومان. بعبارة أخرى، يستطيع العامل الإيراني أن يعيش بـكرامة، وفق هذا الراتب، لمدة لا تزيد عن عشرة أيام في الشهر، ليقضي ما تبقى من أيامه إما بالدين أو الجوع.
إنها معادلة العبودية الحديثة بكل وضوح: العمل القسري بأجر لا يسدّ الرمق، وسط غياب كلي للضمانات والحقوق.
ما يزيد الطين بلّة هو انعدام الأمن الوظيفي. فبحسب رئيس اتحاد العمال، أكثر من 96% من العمال الإيرانيين يعملون بعقود مؤقتة أو قصيرة الأجل، الأمر الذي يضعهم تحت رحمة أصحاب العمل ويجعل الطرد والفصل أمرًا متوقعًا في كل لحظة. هذا الواقع، إلى جانب التضخّم والانهيار الاقتصادي، جعل حياة الطبقة العاملة أكثر هشاشة وبؤسًا من أي وقت مضى.
إن الفجوة الطبقية بين الحفنة الحاكمة الغارقة في الثروات، وبين ملايين العمال والفقراء، تزداد اتساعًا. هذه الهوّة تُنذر بصدام لا مفرّ منه. وكما أكدت منظمة مجاهدي خلق الإيرانية في دعوتها لتحويل الأول من أيار إلى يوم غضب وانتفاضة، فإن حقوق العمال لن تتحقق إلا بإسقاط النظام الاستغلالي الحاكم وإقامة جمهورية ديمقراطية تضع الإنسان وكرامته في صدارة الأولويات.
- وقف الإعدامات شرط لأي مسار نحو الاستقرار في إيران والمنطقة
- إعدامات مجاهدي خلق… استراتيجية رعب في مواجهة مجتمع يغلي
- إيران وإعدامات سياسية في ظل الحرب
- نظام الملالي يهرب إلى المشنقة لتأجيل سقوطه
- إعدام مجاهدي خلق… محاولة يائسة لإخماد نار التغيير
- لا عودة إلى الوراء: إيران بين سقوط النظام وصعود البديل الديمقراطي
