العمال الإيرانيون يكافحون التضخم والقمع الحكومي
لطالما كانت قضايا المعيشة للعمال الإيرانيين من أبرز التحديات الاجتماعية والاقتصادية في النظام الريعي الذي يحكم إيران. وما يلفت النظر هو الفجوة العميقة بين نفقات المعيشة والأجور التي يتقاضاها هؤلاء الكادحون. لقد أجبرت السياسات الاقتصادية الفاشلة، والفساد المنهجي، وهياكل اتخاذ القرار غير الكفؤة، العمال على تحمل أوضاع معيشية لا تطاق.
الأجور لا تغطي نفقات المعيشة
يواجه العمال الإيرانيون مشكلة أساسية تتمثل في التفاوت الكبير بين أجورهم وتكاليف المعيشة اليومية. حتى الذين يتقاضون رواتب أعلى من الحد الأدنى القانوني للأجور لا يستطيعون تغطية نفقاتهم. الوضع أصبح كارثياً إلى حد أن الكثير من العمال يلجؤون إلى الأعمال غير الرسمية، مثل العمل كسائقين في “سنپ” (النسخة الإيرانية من أوبر)، حيث توفر هذه الأعمال دخلاً أعلى رغم أنها أقل استهلاكاً للوقت مقارنة بالوظائف الرسمية.
ولا توفر أجور العمال الإيرانيين الحد الأدنى من متطلبات الحياة، بل إن تحديد الأجور في “المجلس الأعلى للعمل” يخضع دائماً لتدخلات الحكومة. في عام 2024، لم يكن الحد الأدنى للأجور يغطي سوى نصف تكلفة سلة المعيشة الأساسية، ومع تصاعد التضخم، تراجع هذا الرقم إلى الربع فقط. هذا التدهور الحاد يعكس انخفاض القوة الشرائية للعمال وتراجع مستوى معيشتهم.
ومن بين المشاكل الجذرية أن زيادات الأجور لا تواكب معدل التضخم. فالسياسات الاقتصادية المتهورة، مثل تحرير الأسعار بشكل غير مدروس، وخفض قيمة العملة، وغياب الرقابة على السلع الأساسية، دمرت حياة العمال.
خلال شتاء 2024، ومع التضخم الجامح، انهارت القدرة الشرائية للفئات محدودة الدخل، وخاصة العمال، ما جعل أوضاعهم المعيشية أكثر مأساوية. فقد ارتفعت أسعار العديد من السلع والخدمات بشكل غير مسبوق، حيث زادت أسعار الأدوية بنسبة 400%، وارتفعت تكلفة سلة الغذاء الأساسية بأكثر من 30%، كما زادت أسعار تذاكر الحافلات بين المدن بنسبة 25% بموافقة حكومية. في ظل هذه الظروف، تطرح تساؤلات جدية حول نية النظام وقدرته على السيطرة على التضخم وتحقيق العدالة الاجتماعية.
“المجلس الأعلى للعمل” في إيران، وهو الجهة الرسمية المسؤولة عن تحديد الحد الأدنى للأجور، ليس سوى أداة بيد النظام، حيث يفتقر إلى الإرادة أو القدرة للدفاع عن حقوق العمال.
وقد أقر حسين حبيبي، عضو مجلس “المجالس الإسلامية العليا للعمل”، بأن:
“الآلية الفعالة لتحسين معيشة العمال تكمن في إجراء مفاوضات أجور قوية وجادة تعتمد على تكلفة المعيشة كمعيار، مع توجيه الضغوط نحو الحكومة. المشكلة الحقيقية هي أن الحكومة نفسها هي المحرك الرئيسي للتضخم والحليف الأساسي لأرباب العمل في المجلس الأعلى للعمل، حيث تسعى في النهاية إلى تحقيق مصالحها الخاصة.”
ويضيف حبيبي أن معظم العمال الخاضعين لقانون العمل يعملون في مؤسسات حكومية أو شبه حكومية أو تابعة للقطاع العام، ما يجعل الحكومة تمثل “ربّ العمل الأكبر” داخل المجلس الأعلى للعمل، وتستخدم نفوذها لحماية مصالح أرباب العمل بدلاً من مصالح العمال. (المصدر: موقع “اقتصاد 24” الحكومي، 26 يناير).
التضخم في إيران لا يتفاقم فقط بسبب سوء الإدارة، بل يتم التلاعب به عمداً من قبل النظام. فالحكومة ليست فقط المتسبب الرئيسي في التضخم، بل إنها تستخدم ارتفاع الأسعار لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية خاصة.
ويؤكد حبيبي أن:
“مع الفجوة الهائلة بين معدل التضخم التراكمي وأجور العمال، ومع استمرار الأسعار في الارتفاع يومياً بلا نهاية، فإن حتى زيادة بنسبة 100% في الحد الأدنى للأجور لن تكون كافية لسد الفجوة.”
الشارع السلاح الوحيد للعمال
في ظل هذه الأوضاع، يبدو أن الحل الوحيد أمام العمال لتحسين ظروفهم المعيشية يكمن في بناء إرادة جماعية قوية وممارسة ضغط متواصل على الحكومة وأرباب العمل.
وإذا لم تتشكل هذه الإرادة الجماعية، فإن معاناة العمال ستستمر في ظل نظام يعادي حقوقهم ويستنزف معيشتهم بلا رحمة.
- أزمة المياه تضرب مشهد: جفاف السدود يفضح فساد النظام الإيراني ومشاريع الحرس التدميرية
- التضخم يبتلع موائد الإيرانيين مسجلاً 62.2%.. اقتصاد في حالة سقوط حر
- الانهيار الاقتصادي ودماء شهداء الإنتفاضة يدفعان النظام الإيراني نحو الهاوية
- صحيفة دير ستاندرد تفضح الإمبراطورية المالية لـ مجتبى خامنئي في قلب أوروبا
- بزشكيان يعترف بـ الانهيار الوشيك.. قلب النظام ينبض بصعوبة وأي ضغط إضافي سيفجره
- اعترافات في برلمان النظام : عرقلة تفتيش الطاقة الذرية، خط الفقر يقفز لـ 50 مليون تومان، وآلاف الوفيات بسبب التلوث
