سنلقي نظرة عامة على الوضع الاقتصادي لنظام الملالي وهيكله في بعض المقالات القصيرة نسبيًا، وعن الاتجاه والأفق الذي يفتحه هذا الهيكل الذي شكلته الديكتاتورية الدينية؛ أمام المجتمع الإيراني.
الوضع الحالي لنظام الملالي
تعترف معظم وسائل إعلام خامنئي وعملائه بأن نظام الملالي يمر بأخطر مرحلة في حياته، للأسباب التالية:
o انقطاع صادرات النفط وكذلك تدفق فيضان الدولارات النفطية تقريبًا أو أنهما على وشك الانقطاع تمامًا.
o تقف العقوبات الدولية عقبة في طريق الصادرات غير النفطية (المعادن والبتروكيماويات) أيضًا.
o كما تخضع الدولارات الناتجة عن بيع أي سلع تصديرية لنظام الملالي للعقوبات ويتم احتجازها وتخزينها في بلد المقصد. (1)
o أدى العجز في ميزانية نظام الملالي البالغ 170,000 مليار تومان عام 2020 من إجمالي الميزانية العامة البالغ 484,000 مليار تومان (وكالة "فارس" الحكومية للأنباء، 12 أغسطس 2020) إلى انخفاض ميزانية مرتزقة قوات نظام الملالي بالوكالة في بلدان المنطقة، مما أجبر نظام الملالي على التراجع والتعرض لإخفاقات إقليمية متلاحقة.
وهي أزمة اتخذت أبعادًا جديدة في أعقاب هلاك الجلاد المجرم قاسم سليماني.
وأدت عواقب هذا الإفلاس الاقتصادي داخل البلاد إلى اندلاع سلسلة من الانتفاضات الاجتماعية المتلاحقة.
استراتيجيات خامنئي وآماله
من الواضح أنه لا غنى عن القول بأن هذا الوضع يؤدي إلى الاختناق الاقتصادي، وليس أمام نظام الملالي الكثير من الخيارات للهروب من هذا الاختناق الذي ينطوي على عواقب اجتماعية خطيرة لهذا النظام الفاشي.
o لذا ينبغي على نظام الملالي إما أن يستسلم للشروط الأمريكية
o أو أنه يعاني الأمرين حتى يحين موعد انتخابات رئاسة الجمهورية الأمريكية لكي يتسنى له إعادة بناء نفسه وجهازه الإرهابي مرة أخرى مستغلًا الدعم الاستعماري لسياسة الاسترضاء؛ في حالة نجاح الديمقراطيين في هزيمة ترامب. ولاشك في أن هذا مرهون باستعداد الإدارة الأمريكية الجديدة إلى أن تلقي بالانتصارات التي تحققت في عهد ترامب بعرض الحائط بلا مبرر.
وإدراكًا لهذه المآزق، بادر خامنئي بإجراء سلسلة من التغييرات في هيكل ميزانية الدولة لكي يتجاوز هذه المرحلة.
والجدير بالذكر أن تخفيض الأجور والتأمين والخدمات الاجتماعية، إلى جانب زيادة الضرائب، هو المحتوى الرئيسي للتغييرات الاقتصادية الهيكلية التي يتبناها خامنئي.
هل التغييرات الهيكلية في اقتصاد نظام الملالي تُعد خطوة دورية؟
سنرى في هذه الملاحظة أن التغييرات الهيكلية لخامنئي ليست خطوة دورية ؛ فقد تبنى الملالي سياسة بعنصرين متوازيين منذ عقود عديدة تقضي باحتكار السلطة والثروة الوطنية الإيرانية في أيديهم وأيدي قوات حرس نظام الملالي، هما:
أولاً : تحديد السلطة السياسية برمتها وإسنادها إلى ملا واحد غير منتخب؛ انطلاقًا من مبدأ ولاية الفقيه المطلقة.
ثانيًا : نقل جميع الممتلكات الوطنية الكبرى والمتوسطة إلى المؤسسات المالية – التجارية المملوكة لخامنئي وقوات حرس نظام الملالي و"آستان قدس"؛ تحت ما يسمى بخصخصة الاقتصاد الإيراني، التي بدأت في عقد التسعينيات وبلغت ذروتها في عام 2005 بموجب نص المادة 44 من الدستور.
تجريد الإيرانيين من الملكية
وبهذه الطريقة، جردت ديكتاتورية ولاية الفقيه الشعب الإيراني من السلطة والملكية بشكل تدريجي تقريبًا. كما أطلقوا على العنصر الثاني المشار إليه أعلاه اسم الخصخصة بشكل في غير محله على الإطلاق؛ من أجل تطبيق صورة كاريكاتورية للمبادئ التوجيهية العالمية في إيران أثناء مصادرة كل الثروة الوطنية، والتي بمقتضاها يتم ما يلي:
o تقليص الحكومة بشكل كبير.
o نزع ملكية وسائل الإنتاج العامة والوطنية والبنية التحتية من أيدي الحكومة.
o تقليص الخدمات الاجتماعية والتأمين والمعاشات والصحة والتعليم الإلزامي والمجاني إلى أدنى حد أو إلغاؤها من حيث المبدأ.
o تغيير عقود العمل إلى عقود مؤقتة بما يخدم مصلحة صاحب العمل وتقليص الأجور قدر الإمكان.
o إعادة تحديد التعرفة الجمركية من خلال إنشاء مناطق تجارة حرة، مما لا يخدم مصلحة المنتجين المحليين.
وبينما تستولي مؤسسات مقر الولي الفقيه وقوات حرس نظام الملالي و"آستان قدس" على أرباح كل هذه الامتيازات، يتم عرض صورة كاريكاتورية لـ "حكومة متقلصة" و "قطاع خاص مترهل" أمام أعين العالم، خاصة المؤسسات المضطلعة بالاقتصاد العالمي.
نظامٌ اقتصادي مخصخص، يعتبر بطبيعة الحال الإطار العملي المادي المنشود لسياسة الاسترضاء.
فوائد إعادة هيكلة اقتصاد نظام الملالي
إن إعادة هيكلة اقتصاد نظام الملالي تنطوي على ميزتين لخامنئي وشركائه، هما:
أولًا: الاستيلاء على جميع الثروات والموارد الوطنية.
ثانيًا: تهيئة المناخ الاقتصادي المنشود لمؤيدي سياسة الاسترضاء الاستعمارية.
ويسعى خامنئي من خلال تغيير الهيكل الاقتصادي أن يشتري لنفسه مهلة للبقاء. وهذا ما بدأه منذ عقود عديدة، وهو الآن في عجلة من أمره لتحقيق ذلك.
ومن ثم نريد أن نعرف ما هي هذه التغييرات الهيكلية.
والأهم من ذلك هو:
هل تعتبر هذه التغييرات الهيكلية طريقًا لإنقاذ خامنئي أم طريقًا لهلاكه؟
سنواصل هذه الدراسة التحليلية في المقال اللاحق
