يُظهر استمرار إضراب عمال مصافي ومنشآت النفط والغاز والبتروكيماويات، الذي توسّع إلى 51 مركزاً في 21 مدينة في يومه الثالث عشر، عجز النظام سواءً علی صعید الاستجابة لمطالب العمال المشروعة أو قمعهم.
یطالب عمال النفط المضربون بزیادة الأجور، ودفع جميع متأخرات الأجور، وتقلیص عدد المقاولين والوسطاء في تشغیل العمال وإنهاء العقود المؤقتة والمفتوحة.
فضلاً عن شتی صنوف المضایقة، فإن امتناع النظام عن دفع الأجور الشهرية الضئیلة للعمال، قد شکل لهم ضغطاً هائلاً أجبرهم على الصمود ومواصلة إضرابهم، وإحباط جمیع مؤامرات المسؤولین المعنيين، سواءً أ کانت تهدیداً أو ترغیباً.
کما أن العدید من أرباب عمل النظام ووكلائه في المنشآت النفطية والصناعات الأخری، قد حاولوا في الأيام الأخيرة كسر إضراب العمال وتضامنهم عن طریق دفع جزء من متأخرات الأجور في العدید من مراكز الإضراب أو تقديم وعود کاذبة لهم وخلق الانقسامات بینهم.
لكن محاولاتهم باءت بالفشل، لا بل انضم المزيد من العمال إلى صفوف المضربین.
خصائص الإضراب
دور "الإضراب" الاستثنائي وموقعه الخاص في الانتفاضات والثورات الاجتماعية حقيقة لا يمكن إنكارها. ففي حال انتشاره علی نطاق واسع فإنه يضع الأنظمة السياسية تحت ضغط کبیر، خاصة إذا كانت المرافق المعنیة ذات أهمية حيوية. لأن الإضراب سينتشر بسرعة ويشلّ الشرايين الاقتصادية للبلاد بسبب اعتماد الصناعات الأخرى علی تلك المرافق الحیویة.
وعلیه فإن إضراب عمال منشآت ومراكز النفط والغاز والبتروكيماويات الجاري حالياً في بلادنا له سمة مماثلة. کما أن هذه الإضرابات المنسقة تتسم بسمات بارزة أخری منها الانتشار المتزايد وتوسع نطاقها إلى أجزاء عدة في البلاد، وکذلك تضامن واتحاد العمال الذين يواصلون الإضراب بشكل مستقل وبعید عن المنظمات التابعة للنظام.
من جانبه، عمل نظام الملالي باستمرار على محوري التهديد والترغیب في مواجهة الإضرابات.
ونظراً لأهمية صناعة النفط كمصدر رئيسي للدخل لتغطیة تکالیف القمع في الداخل والخارج، فقد حاول النظام بشکل مستمر منع هذه الصناعة من التوقف بکافة الطرق. لکنه الیوم وجراء الإفلاس الشدید، یمر بوضع متأزم للغایة یحول دون قیامه بذلك.
كما أن خيار القمع يكلف النظام غالياً. فالنظام یخشی من أن يؤدي أي قمع إلى اندلاع انتفاضة شعبیة عنيفة لا يمكن السيطرة عليها. الأمر الذي یخشاه قادة النظام بشدة.
رقابة النظام
ومن المثیر للاهتمام في هذا الصدد، هو صمت وسائل الإعلام الحکومیة حيال إضراب عمال النفط. لأنها تدرك جيداً أن نشر مثل هذه الأخبار سيكون له تأثير مباشر على العمال والموظفين الآخرين.
ومع ذلك، هناك أدلة على أن أخبار الإضراب قد جذبت الانتباه على وسائل التواصل الاجتماعي داخل إيران وخارجها. الأمر الذي سيؤدي حتماً إلى تعزيز معنويات عمال النفط وقدرتهم على الصمود.
في هذا الصدد، أفادت وكالات أنباء عدیدة في الأیام الأخیرة، بما في ذلك وسائل الإعلام الناطقة بالفارسية في الدول الأوروبية والأمريكية، عن إضراب عمال النفط الإيرانيين.
صدی إضراب عمال النفط في المطبوعات الأجنبية
تعد تغطية خبر إضراب عمال النفط على موقع نيوزويك الإخباري المرموق (10 أغسطس 2020) مثالاً على الاهتمام الدولي.
وقد کتب الموقع في إشارة إلی «الاضطرابات والإضرابات بين العاملين في صناعات النفط والغاز الرئيسية في جميع أنحاء البلاد»:
«تظهر التقارير ومقاطع الفيديو المنتشرة من قبل النقابات العمالیة والمنظمات المعارضة في المنفی على مواقع التواصل الاجتماعي أن الإضرابات استمرت حتى الأيام الأخيرة من هذا الأسبوع، مع مطالبة العمال بدفع المتأخرات وتحسین ظروف العمل السيئة.
اندلعت الاحتجاجات بوفاة عامل البتروكيماويات إبراهيم عرب زاده في جنوب غرب مدینة ماهشهر في يوليو، إثر إصابته بنوبة قلبية نتیجة العمل المتواصل في درجة حرارة عالية».
كما أفاد الموقع أنه في يونيو، انتحر عامل نفط آخر «کان يعمل في حقل نفط يادآوران هويزه في جنوب غرب البلاد احتجاجاً على الأجور المتأخرة».
الدعم الدولي للعمال المضربين
أصدرت لجنة البرلمانيين الإيطالية من أجل إيران حرة بياناً أعربت فيه عن تضامنها الكامل مع آلاف العمال الإيرانيين في قطاعات النفط والغاز والبتروكيماويات المضربين، جاء فیه:
«إضرابات عمال وموظفي 44 مصفاة ومصنعاً من أهم القطاعات الرئيسية في الاقتصاد الإيراني، تذكرنا بإضرابات الأشهر الأخيرة لنظام الشاه والتي أدت إلى الإطاحة به».
وأشارت اللجنة الإيطالية في بيانها إلی القمع العنیف الذي یتعرض له المتظاهرون في مختلف المدن الإيرانية، بما في ذلك مقتل أكثر من 1500 شخص في انتفاضة نوفمبر الماضي، وأعربت عن قلقها إزاء «بدء موجة اعتقالات للعمال المضربين» وإعدام المتظاهرين.
ودعت «الحكومة الإيطالية والنقابات والهيئات الأوروبية والمنظمات العمالية الدولية إلى دعم نضال العمال الإيرانيين من أجل حقوقهم الأساسية».
كما أعلنت نقابة عمال السكك الحديدية ومترو الأنفاق والحافلات الأسترالية عن دعمها لإضراب عمال مصافي النفط والغاز في إيران.
وأعربت النقابة، بأكثر من 30 ألف عضو في النقل العام والسكك الحديدية، عن قلقها البالغ إزاء معاملة نظام الملالي لعمال النفط والبتروكيماويات الإيرانيين وغيرهم من العمال المتظاهرين، ودعت إلى الدفع الفوري لجميع متأخرات العمال المضربين وإنهاء تسريح العمال والإفراج غير المشروط عن جميع العمال المسجونین.
كما أعرب اتحاد النقابات الروماني (کارتل آلفا) عن تضامنه مع العمال المضربين في مصافي النفط والبتروكيماويات وغيرهم من العمال المضربين في إيران.
ودعا الاتحاد الذي يضم 325 ألف عضو إلى وضع حد لقمع العمال وإطلاق سراح العمال المسجونين مشدداً على ضرورة ضمان حقوقهم والإفراج عن جميع العمال المسجونين.
وندد باحتجاز وتعذيب العمال والقمع العنيف لاحتجاجاتهم، مستشهداً بقوانين النظام التي لا تسمح للعمال بتشكيل نقابات مستقلة.
مما لا شك فيه أنه كلما كان اتحاد العمال المضربين أقوى وزاد صمودهم، كلما انحسرت قوة النظام في مجال القمع وتضاعف علیه الثمن حیال ممارسة القمع.
الحقيقة هي أن القمع في الوضع الحرج الحالي حیث اجتاح الاحتقان والاستیاء المجتمع برمته، يمكن أن يكون بمثابة شرارة من شأنها أن تأجج النار في الكراهية والسخط الاجتماعي إزاء النظام، وتحرق عباءة وعمامة ولایة الفقیه وتحول الأخیرة إلی رماد.
هذا وأشادت السيدة مريم رجوي، رئيسة الجمهورية المنتخبة للمقاومة الإيرانية، بصمود العمال المضربين الذين نهضوا من أجل إحقاق حقوهم الأساسية ودعت مرة أخرى عموم المواطنين، ولا سيما الشباب، إلى دعم المضربين.
وأشارت السيدة رجوي إلى أنه ما دام نظام ولاية الفقيه قائما على السلطة، فإن الفقر والبطالة والتضخم سيزداد. فإن حقوق العمال والكادحين وعموم الشعب الإيراني لا يمكن تحقيقها إلا بإسقاط هذا النظام وإرساء الديمقراطية وحكم الشعب.
ودعت السيدة رجوي منظمة العمل الدولية والاتحادات العمالية والمدافعين عن حقوق العمال إلى إدانة سياسات نظام الملالي السالبة لحقوق العمال ودعم إضرابات العمال الإيرانيين المضطهدين واحتجاجاتهم وحقوقهم.
